مجهر الصحراء : متابعة.
ترتكز العلاقات المغربية-السنغالية على شراكة استراتيجية متجذرة وتضامن ثنائي قوي يمتد لقرون، وتعتبر من أقوى التحالفات في إفريقيا. تستند هذه العلاقات إلى روابط روحية ودينية قوية، ودعم سنغالي دائم للوحدة الترابية للمغرب، بالإضافة إلى تعاون اقتصادي وتعليمي متين.وتبرز أهم معالم هذه العلاقات في المحاور التالية:
1 – الدعم السياسي والترابي لمغربية الصحراء :
تعتبر السنغال من أشد وأقدم الدول الداعمة للمغرب في قضية الصحراء المغربية، كما تدعم السنغال المبادرات الملكية الاستراتيجية في إفريقيا، وعلى رأسها “المبادرة الأطلسية” ومشروع “أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي” الذي تلعب فيه السنغال دوراً محورياً.
2 – الروابط الروحية والدينية التصوف المشترك :
يعود الامتداد الروحي إلى قرون عديدة، حيث تلعب الطرق الصوفية (خاصة الطريقة التجانية) دوراً كبيراً في التقارب بين الشعبين، وفي الجانب التكويني تستقبل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة أعداداً كبيرة من الأئمة والمرشدين السنغاليين لتكوينهم في المغرب وفقاً للإسلام المعتدل.
3 – التعاون الاقتصادي والاستراتيجي :
يُعد المغرب من أكبر المستثمرين الأجانب في السنغال، خاصة في مجالات البنوك، التأمين، الاتصالات، والفلاحة. كما تم توقيع اتفاقيات اقتصادية مستمرة لتعزيز التبادل التجاري وتطوير البنية التحتية.
4 – التكوين والتعليم :
في هذا الإطار يوفر المغرب سنوياً آلاف المنح للطلبة والأطر السنغالية لمتابعة دراستهم في الجامعات ومعاهد التكوين المهني المغربية.
5 – التقارب الثقافي والرياضي :
تتواجد بالسنغال جالية مغربية نشيطة منذ القدم، مما خلق تمازجاً اجتماعياً وثقافياً ملحوظاً، وفي المجال الرياضي تعرف العلاقات، خاصة كرة القدم، تنافسية عالية وندية قوية في مختلف المحافل الإفريقية، إلى جانب حرص البلدين على دعم ملفات بعضهما البعض في الهيئات الرياضية الدولية.
ومن خلال هذه المعطيات يتبادر إلى الذهن سؤال واقعي : لماذا تحاك “المؤامرات” ضد المغرب والسنغال في كرة القدم رغم أنهما أمة واحدة؟
حين يلتقي أسود الأطلس مع أسود التيرانغا، لا يكون الأمر مجرد مباراة. تتحول المدرجات إلى ساحة خطاب، ووسائل التواصل إلى مصنع روايات، ويخرج للعلن سؤال مؤلم: لماذا يتكرر الحديث عن “مؤامرة” أو “تحكيم موجه” أو “إعلام يحرّض” كلما اصطدم المغرب بالسنغال كروياً؟ والأغرب أن هذا يحدث بين بلدين يجمعهما التاريخ، الدين، المصالح، وحتى الرهان القاري الواحد. فهل نحن أمام مؤامرة فعلية، أم أمام أزمة فهم تُلبس ثوب المؤامرة .
1 – كرة القدم مرآة السياسة لا سببها :
التنافس المغربي السنغالي في كرة القدم تصاعد مع صعود المنتخبين قارياً وعالمياً: نهائي كأس إفريقيا 2022، مواجهات تصفيات كأس العالم، وتفوق أندية الطرفين إفريقياً ، وطبيعي أن يخلق هذا توتراً رياضياً.
المشكل يبدأ حين يتم تسييس هذا التنافس، فكل خطأ تحكيمي يتحول إلى “مؤامرة كاف”، وكل تصريح إعلامي يتحول إلى “حرب باردة”. مع أن الحقيقة داخل الاتحاد الإفريقي يوجد مغاربة وسنغاليون، والحكام من دول محايدة، لكن عقلية “نحن ضدهم” تختزل التعقيد إلى شماعة جاهزة.
2 – من يستفيد من تأجيج العلاقة ؟
ليست هناك أدلة على “مؤامرة” منظمة ضد البلدين معاً. لكن هناك مستفيدون من الشحن مثلا الجزائر ومصر :
– حسابات التواصل : التفاعل يرتفع مع منشورات التحريض، فتضخم الرواية.
– إعلام الخصوم يبحث عن الإثارة من خلال عنوان “فضيحة تحكيمية” تنشر أكثر من “مباراة متوازنة”.
– الأطراف المتدخلة في الفضاء الإفريقي تعمل على إضعاف التفاهم المغربي السنغالي، لأن ذلك يخدم من يريد عزل أي محور إفريقي قوي. وهنا تكمن الخطورة حين نتحول نحن إلى أداة في لعبة لا نملك قواعدها.
3 – “أمة واحدة” ليست شعاراً بل رصيداً يجب حمايته :
المغرب والسنغال تجمعهما روابط أعمق من 90 دقيقة تتمثل في التعاون الاقتصادي، الروابط الدينية، الجالية السنغالية بالمغرب، والموقف المشترك في قضايا القارة ،ومن المفترض أن تكون كرة القدم جسراً لا خندقاً، على أن يبقى الأصل هو الأخوة، والاستثناء هو الشحن.
4 – الحل: فصل الملعب عن الخطاب :
– إعلام رياضي مسؤول يفرق بين النقد والتحريض.
– جماهير واعية بأن خسارة مباراة ليست خسارة وطن، وأن فوز الجار ليس نكبة.
– يجب على اتحادات كرة قدم أن تتواصل مباشرة وعدم ترك الساحة للشائعات.
الخاتمة
قد لا توجد مؤامرة كونية ضد المغرب والسنغال في كرة القدم، لكن هناك تنافس طبيعي، وأخطاء بشرية، وسوق إعلامي جشع. أما “المؤامرة الحقيقية” فهي أن نسمح لخصوم الوحدة الترابية لاستغلال خلاف كروي عابر ثم الخدش في علاقة تاريخية .
المغرب والسنغال ليسا خصمين، بل جناحا قارة . وحين يتقاتل الجناحان، لا يسقط الخصم، بل يسقط الطائر.