كيف يبني الشباب مستقبله…؟
د . عبدالكريم بكار
يعيش كثير من الشباب اليوم تحت ضغطٍ لا يراه أحد.
ضغط المقارنات المستمرة، والتوقعات المرتفعة، والصور المثالية التي تُعرض كل يوم وكأنها الواقع الطبيعي للحياة.
فيجد الشاب نفسه مطالبًا بأن ينجح بسرعة، ويحقق إنجازات كبيرة، ويكوّن مصدر دخل مرتفع، ويستقر في حياته، ويواكب الجميع في الوقت نفسه. وكأن الحياة سباقٌ له خط نهاية واحد، ومن يتأخر عنه يكون قد خسر.
لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من هذا الضغط ليس نابعًا من الواقع، بل من تصورات صنعها المجتمع أو بالغت في تضخيمها وسائل التواصل.
فالناس يرون النتائج ولا يرون الرحلة. يرون النجاح ولا يرون سنوات التعب. يرون ما وصل إليه الآخرون، ولا يرون الظروف المختلفة التي مروا بها.
ولهذا يظلم كثير من الشباب أنفسهم حين يقيسون حياتهم بمعايير لا تناسب ظروفهم، أو يقارنون بداياتهم بمراحل متقدمة من حياة الآخرين.
إن النضج الحقيقي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن له مساره الخاص، وأن قيمته لا تُقاس بسرعة الإنجاز، بل بجودة السعي واستمرار النمو.
فليس مطلوبًا أن يكون الجميع نسخة واحدة، ولا أن يحققوا الأشياء نفسها في العمر نفسه. فلكل إنسان ظروفه، وتحدياته، وفرصه، وتوقيته الخاص.
وما يحتاجه الشباب اليوم ليس مزيدًا من الضغط، بل مزيدًا من الثقة بأن البناء الحقيقي يحتاج إلى وقت، وأن التقدم الهادئ خير من الركض المرهق خلف توقعات الآخرين.
فالحياة ليست منافسة مع أحد.
إنها رحلة لاكتشاف الإمكانات التي أودعها الله في الإنسان، والعمل على تنميتها خطوة بعد خطوة.
ومن يفهم ذلك، يتحرر من كثير من الضغوط التي لا داعي لها، ويبدأ في توجيه طاقته نحو ما يستطيع تغييره فعلًا: نفسه، وعلمه، وعمله، ومستقبله.