تحول الاستراتيجية الصينية تجاه الحج: من التقييد إلى الدبلوماسية الدينية والقوة الناعمة.
د. عبداللطيف مشرف. أستاذ مساعد التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو. ومحلل استراتيجي.
تقتضي الضرورات الاستراتيجية والواقعية السياسية (Realpolitik) أن تعيد القيادة الصينية صياغة مقاربتها تجاه توجه مواطنيها المسلمين لأداء فريضة الحج في المملكة العربية السعودية. ففي ظل التنافس المحموم على قيادة النظام الدولي، لم يعد ملف “الحج” مجرد شعيرة دينية، بل أصبح أداة “جيوسياسية” بالغة الأهمية تؤثر في مكانة الصين كقوة عظمى صاعدة.
أولاً: الثقل الاستراتيجي للمملكة وموازين القوى الدولية
تُعد المملكة العربية السعودية دولة محورية (Pivotal State) في النظام العالمي؛ فهي حجر الزاوية في منظومة “البترودولار” التي تمنح الولايات المتحدة تفوقاً نقدياً واستراتيجياً عالمياً. وبناءً عليه، فإن سعي الصين لكسر الأحادية القطبية يفرض عليها “استمالة” الرياض لا الصدام معها. إن أي إجراء صيني يحد من وصول الحجاج يُفسر سياسياً كاستهداف مباشر لأحد ركائز الاقتصاد السعودي السيادي، ومحاولة لزعزعة مكانة المملكة القيادية في العالم الإسلامي الذي يتجاوز تعداد أبنائه ملياري نسمة.
ثانياً: معضلة المصداقية في “عالم متعدد الأقطاب”
إن طموح الصين للتحول إلى قطب دولي مكافئ للولايات المتحدة يتطلب تقديم “نموذج حضاري” قادر على استيعاب التنوع وحماية الحريات الأساسية لمواطنيه.
داخلياً: قدرة الدولة على تمكين مواطنيها من ممارسة شعائرهم تعكس قوة العقد الاجتماعي واستقرار الجبهة الداخلية.
خارجياً: التقييد الديني يضرب “المصداقية الصينية” في مقتل، ويؤكد السرديات الغربية التي تتهم بكين باضطهاد الأقليات، مما يعيق تمددها الناعم في “الجنوب العالمي”.
ثالثاً: الدبلوماسية الدينية كأداة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية
بدلاً من انتهاج سياسة المنع، يجدر بالقيادة الصينية تبني “دبلوماسية الحج” عبر احتفاليات رسمية كبرى لتوديع الحجاج، لإيصال رسائل استراتيجية متعددة:
التضامن الاقتصادي: دعم رؤية المملكة في تعزيز السياحة الدينية كرافد اقتصادي، مما يوطد العلاقات الثنائية (صيني-سعودي).
دحض السرديات المعادية: تقديم صورة واقعية عن حماية الصين لمعتقدات أبنائها، مما يسحب البساط من محاولات تدويل ملف الأقليات المسلمة في الصين.
كسب الثقة الإقليمية: التماهي مع الوجدان الجمعي للشعوب الإسلامية، مما يحول الصين من “شريك تجاري جاف” إلى “حليف حضاري” يحترم القيم والمقدسات.
خلاصة تحليلية:
إن الانتقال من “المنع” إلى “الرعاية والاحتفاء” ليس مجرد تنازل، بل هو ذكاء استراتيجي يخدم الانخراط الصيني في منظومة القانون الدولي والإنساني. إنها الخطوة الضرورية لإثبات أن بكين قادرة على قيادة عالم متعدد الأقطاب، ليس بالاعتماد على القوة الصلبة فحسب، بل عبر احترام الهويات الدينية والخصوصيات الثقافية لحلفائها الاستراتيجيين ولأبنائها على حد سواء .