“حين يصبح صوت الرزق مصدراً للإزعاج”
مجهر الصحراء: لشكر عبدالله.
مقدمة: مدينة تصحو على منبه لا يتوقف :
التلوث السمعي هو القاتل الصامت. لا تراه العين، لكنه ينهك الأعصاب ويرفع الضغط ويقتل التركيز. في مدينة السمارة، حيث الهدوء سمة من سمات الصحراء، تحولت بعض الشوارع إلى “مهرجان صوتي” يومي. والبطل غير المتوج لهذا المهرجان: شاحنات بيع “ماء طانطان” المتجولة بمكبرات الصوت. هذا المقال لا يهاجم أرزاق الناس، بل يبحث عن نقطة التوازن بين “حق البائع في الإعلان” و”حق الساكنة في السكينة”.
أولاً : تشخيص الظاهرة.. كيف اصبح “ماء طانطان” مشكل سمعي؟
1 – تكرار المقطع الصوتي : ” ماااااء طانطان”. جملة واحدة تُعاد بمكبر صوت عالي من 7 صباحاً حتى 8 مساءً. الشاحنة تدور في نفس الحي 4 مرات، وهذا يعني أن الساكن يسمع نفس المقطع 20 مرة في اليوم.
2 – مكبرات غير قانونية : منظمة الصحة العالمية تقول إن التعرض لأكثر من 70 ديسيبل بشكل مزمن يسبب توتراً وأرقاً.
والواقع أن أغلب الشاحنات تستعمل “بوق” أو مضخم صوت مركب يدوياً، قوته تتجاوز 90 ديسيبل. وهنا نتحدث عن ضجيج يعادل صوت “مثقاب كهربائي” قرب أذنك.
3 – التوقيت القاتل : الذروة تكون وقت القيلولة 14:00 – 16:00، ووقت مراجعة التلاميذ مساءً، ووقت نوم الرضع. المساجد والمستشفى الإقليمي والمؤسسات التعليمية كلها في مرمى الصوت.
4 – التأثير التراكمي : المشكل لا يتعلق بشاحنة واحدة بل عشرة شاحنات، كل واحدة تدخل من زنقة ، باعة متجولون آخرون إضافة إلى دراجات ثلاثية العجلات. والنتيجة: ضوضاء مستمرة لا تهدأ.
ثانياً : الأسباب ، لماذا “ماء طانطان” بالضبط؟
1 – السبب الاقتصادي : “ماء طانطان” صار علامة جودة عند ساكنة الصحراء والسمارة (ماء الغدير للشاي )، والطلب كبير والمنافسة شديدة بين الباعة. وكل بائع يحاول برفع الصوت أكثر ان يكون الأفضل ، وبذلك ندخل في “حرب مكبرات الصوت”.
2 – الفراغ القانوني : القرار الجماعي للسمارة يمنع “الضجيج المقلق للراحة”، لكن لا يحدد سقفاً للديسيبل، ولا يمنع مكبرات الصوت المتجولة صراحة. ولم يضع بيد الشرطة الإدارية مقياسا لذلك .
3 – غياب البديل : كيف للبائع أن يستثمر ذكائه في البيع ؟
في زمن التقنيات لابد من خلق ” تطبيق هاتفي ” ، او استخدام “نظام الرسائل النصية مع ساكنة الحي”، تحديد أماكن بيع قارة مجهزة، وبذلك لن ندفع البائع للمخالفة ..
ثالثاً : الأضرار الناتجة عن الضجيج :
1 – صحياً : احدى الدراسات في أوروبا ربطت الضجيج الليلي بـ 3% من حالات الجلطات القلبية.
ومن اضرار الضجيج ايضا نذكر : ارتفاع ضغط الدم، اضطرابات النوم، ضعف التركيز عند التلاميذ وزيادة التوتر.
2 – تربوياً :المعلم(ة) والأستاذ(ة) وكل من يسكن الحي يسمع “مااااء طانطان”. كيف سيركز المربي والتلميذ ؟
3 – اقتصادياً : السياحة الداخلية تتضرر ، فزائر السمارة الذي يبحث عن هدوء الصحراء، يصطدم بضجيج أقوى من مدن شمال المملكة.
4 – اجتماعياً : التلوث السمعي يتحول إلى تلوث في العلاقات بين الجيران .
رابعاً : الحلول.. كيف نحمي الرزق والسكينة معاً ؟
إجراءات عملية لتنظيم عملية “بيع ماء طانطان” :
1 – قرار جماعي ينظم “الزمن والصوت” :
إجراء تنظيمي يتخذه رئيس جماعة السمارة بإصدار قرار يحدد فيه :
* الزمن المسموح : من 10 صباحاً إلى 12 ظهراً، ومن 17:00 إلى 19:00 فقط. ممنوع وقت القيلولة والليل.
* قوة الصوت : لا تتجاوز 65 ديسيبل، يتم تجهيز مصلحة الشرطة الإدارية بجهاز قياس يضبط هذه النسبة .
* العقوبة : تقدر بقدرها.
2 – تنظيم نقط البيع وتحفيز البائع النموذجي :
تقوم الجماعة على تحفيز البائع النموذجي الذي يتصف باحترام التوقيت والمرور من كل زنقة مرة واحدة فقط ، مع رفع صوت المنبه عند دخول الحي دون ازعاج .
3 – دور جمعيات المجتمع المدني :
دور جمعيات المجتمع المدني للتدخل وخلق وعي لدى أصحاب الشاحنات الصهريجية من خلال التحسيس بسلبيات الضجيج والتلوث السمعي على الكبير والصغير والمريض ..
4 – إشراك الباعة في الحل :
عقد لقاء السلطة المحلية مع ممثلي البائعين فهم أدرى بالاكراهات. وهي فرصة لاقتراح الحلول المناسبة بلا ضرر ولا ضرار.
خاتمة :
الماء نعمة من الله لا تباع ، وإن كان البائع او سائق الشاحنة يقدم خدمة حيوية لساكنة السمارة مقابل أجر ، غير أن الاصوات العالية تزعج آذان الجميع. وما يزيد الزبون قربة هي الثقة والنظافة وضبط المواقيت.