لنعطي – التربية لمالية – الأولوية التي تستحقها !
د. عبد الكريم بكار
ثمة نقصٌ بنيوي في منظومتنا الثقافية والتربوية يحتاج إلى مواجهةٍ شجاعة ومكاشفةٍ صريحة؛ فرغم العطاء الزاخر للمفكرين والعلماء والكتاب، إلا أنَّ (التربية المالية) لم تنل المكانة التي تستحقها، ولم تُدرج مسألة بناء الوعي بالمال والاستثمار ضمن أولويات التكوين التربوي. إنَّ هذا الغياب ليس مجرد تفصيلٍ عابر، بل هو أحد الجذور العميقة لتعثر الكثير من المشاريع والمبادرات؛ حيث تحضر الأفكار والنيات، ويغيب التمويل المستدام والإدارة الواعية، مما يجعل الأثر محدوداً والنمو متعثراً.
لقد تشكلت عقول أجيالٍ كاملة وفق معادلةٍ منقوصة تحصر النجاح في (التعليم، التخرج، ثم الوظيفة)، بينما تُرك جانبٌ حيوي من الحياة دون تأطيرٍ منهجي: كيف نُدرك حقيقة المال؟ وكيف ننتقل من عقلية “الاستهلاك” إلى عقلية “البناء والاستثمار”؟ وكيف تتحول الثروة إلى أداةٍ للنهوض الاجتماعي لا مجرد وسيلة للرفاه الفردي؟

في هذا السياق، تبرز أهمية الاطلاع على تجارب عالمية، ككتاب «الأب الغني والأب الفقير»، لا باعتباره نموذجاً كاملاً، بل كأداة لإعادة تشكيل العقلية المالية؛ فهو ينقل القارئ من الاعتماد على الدخل المحدود إلى صناعة “الأصول”، ومن السعي الفردي إلى الأثر المجتمعي. ورغم أنَّ إطاره القيمي قد يختلف عن منظومتنا، إلا أنَّ “الرشد الثقافي” يقتضي قراءته بعينٍ ناقدة تقتبس الأدوات وتُعيد توجيهها وفق ثوابتنا ومبادئنا.
إنَّ القناعة الراسخة تشير إلى أنَّ أمتنا لا ينقصها الفكر ولا المبادرات، بل تنقصها (القوة المالية المنظمة) التي تُحول الأفكار إلى واقع مستدام. ومن المنظور الإسلامي، الثروة ليست غايةً في ذاتها، بل هي أمانةٌ ومسؤولية؛ فنحن لا نهدف لبناء الثروة لترفٍ زائل، بل لتأسيس صروحٍ تعليمية تليق بأبنائنا، وتطوير مؤسسات تنهض بمجتمعاتنا، ورعاية مبادرات تفتح آفاقاً للأجيال القادمة. إنَّ مالاً يُبنى بالحلال ويُدار بوعي، هو الذي يتحول إلى زكاةٍ فاعلة، وصدقةٍ جارية، وقوةٍ تحفظ للمجتمع توازنه واستقلاله.
لذا، فإنَّ غرس هذه المفاهيم يجب أن يبدأ بشكلٍ منهجي داخل البيوت والمدارس؛ ليتعلم الطفل معنى الادخار، ويفهم الشاب أساسيات الاستثمار، ويُدرك الجميع أخلاقيات الكسب الحلال. كما أنَّ لدينا منظومةً عريقة في (التمويل الإسلامي) تمثل علماً مالياً متكاملاً، يجب أن يُدرّس ويُفهم بعمق كجزءٍ أصيل من المنظومة الاقتصادية، لا أن يبقى مجرد تنظيرٍ هامشي.
إنَّ التاريخ يُعلمنا أنَّ الأمة التي لا تُحسن إدارة مالها، ستبقى محدودة التأثير مهما بلغ عددها أو علمها، بينما الأمة التي تفهم لغة المال وتُحسن توجيهه، هي الأقدر على البناء والعطاء والتأثير. إنَّ المهمة تبدأ من إعادة تشكيل هذه الثقافة داخل الأسرة؛ فنحن لا نُنشئ جيلًا يسعى خلف المال لذاته، بل جيلًا يُحسن توظيفه لخدمة رسالته وبناء أمته.