الإبادة المكانية في الشرق الأوسط
بقلم سيدي اعلي سالم هبد .. باحث مغربي في القانون
في ربيع عام 2026، لم يعد المشهد في الشرق الأوسط مجرد صراع حدودي بين إسرائيل وخصومها في غزة ولبنان؛ بل تحول إلى عملية جراحية كبرى لإعادة صياغة المنطقة عبر ما يُعرف أكاديمياً بـ “الإبادة المكانية” (Domicide). إننا نشهد انتقالاً من حروب “الردع المتبادل” إلى استراتيجية “التدمير البنيوي الشامل”، حيث يتم استهداف الركائز المادية للحياة المدنية كأداة سياسية لفرض واقع ديموغرافي وجيوسياسي جديد لا يمكن العودة عنه.
أولاً: جبهة لبنان.. من قواعد الاشتباك إلى “المنطقة العازلة الميتة”
تمثل العمليات البرية والجوية الإسرائيلية في مارس 2026 تحولاً جذرياً في التعامل مع الجبهة الشمالية. فلم يعد الهدف المعلن هو “إضعاف” حزب الله، بل تحويل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خالية من مقومات الحياة
العزل البنيوي: باستهداف 14 جسراً حيوياً و80% من محطات تحويل الكهرباء، تم فصل الجنوب اقتصادياً عن المركز (بيروت). هذا التدمير لا يهدف لقطع خطوط الإمداد العسكري فحسب، بل لشل قدرة المجتمع المحلي على البقاء.
تآكل السيادة: يضع هذا الدمار الدولة اللبنانية أمام معضلة “الإعمار المستحيل” في ظل انهيار مالي، حيث سجلت الليرة مستويات قياسية من التدني، وارتفع التضخم بنسبة 400%، مما يجعل الدولة المركزية مجرد “شاهد عيان” على تفكك مفاصلها.
ثانياً: قطاع غزة.. “الإبادة المكانية” واقتصاد الحياة الحدية
في غزة، تجاوز المشهد حدود الكارثة الإنسانية ليصل إلى “محو الذاكرة المكانية”. الوثائق الصادرة عن مراكز الأقمار الصناعية (UNOSAT) في مارس 2026 تؤكد دمار أكثر من 92% من الوحدات السكنية
سحق الرأس مال البشري: تدمير الجامعات والمستشفيات والشركات الناشئة لم يكن “أضراراً جانبية”، بل استراتيجية لمنع نشوء أي كيان اقتصادي مستقل مستقبلاً. غزة اليوم تعمل بنسبة 16% فقط من طاقتها الإنتاجية، مع بطالة تجاوزت 80%.
الاقتصاد التابع: تحول القطاع إلى كتلة بشرية تعيش في “حالة استثنائية” دائمة، تعتمد كلياً على الإغاثة الدولية التي تُستخدم هي الأخرى كأداة ضغط سياسي وتفاوضي.
ثالثاً: التوثيق الاقتصادي.. زلزال الطاقة وسلاسل التوريد
يمتد هذا الصراع ليعيد تشكيل الاقتصاد الإقليمي والعالمي. فالمواجهة المباشرة مع إيران و”محور المقاومة” في فبراير ومارس 2026 أدت إلى صدمة الممرات البحرية ارتفاع تكاليف التأمين والشحن في مضيق هرمز وباب المندب بنسبة 250%، مما جعل شرق المتوسط منطقة “عالية المخاطر”.
سلاح الطاقة: التهديدات المتبادلة في منشآت الغاز والنفط أحدثت تذبذباً حاداً في الأسعار العالمية، مما دفع القوى الدولية (الصين وأوروبا) للتدخل ليس حباً في السلام، بل خوفاً من الانهيار الاقتصادي الشامل.
رابعاً: التحليل الجيوسياسي.. نحو نظام “المناطق الرمادية”
الأثر الأكاديمي الأعمق لهذا الصراع هو تآكل مفهوم “الدولة الوطنية” لصالح “المناطق الرمادية”. فالتدمير المنهجي في لبنان وغزة يخلق فراغاً سياسياً وإدارياً
فرض السلام القسري: تعتقد العقيدة الإسرائيلية الحالية أن سحق البنية التحتية سيؤدي لفك الارتباط بين الحواضن الشعبية والحركات المسلحة.
الفوضى العابرة للحدود: يرى المحللون أن هذه الاستراتيجية قد تؤدي لنتائج عكسية، حيث تتحول المنطقة إلى بؤر نزوح وتطرف يصعب السيطرة عليها، مما يحول “الأمن” إلى سراب بعيد المنال للجميع.
شرق أوسط بلا ملامح
إن صراعات 2026 ليست صراعات على “أمتار من الأرض”، بل هي صراعات على “إمكانية الوجود”. إن إعادة بناء ما دمرته هذه الحرب لن يتطلب مليارات الدولارات فحسب، بل سيتطلب عقداً اجتماعياً دولياً جديداً. وبدون ذلك، سيبقى الشرق الأوسط مسرحاً لنظرية “الأرض المحروقة”، حيث يتم النصر عبر تحويل مدن الآخرين إلى أطلال غير قابلة للسكن .