دلالات التحرك الدبلوماسي نحو إسلام آباد – رسائل طهران وشروطها ودلالات التصريحات:
بقلم :د. عبداللطيف مشرف
اولا : السياق التاريخي والاستراتيجي:
اختيار إسلام آباد وسيطاً دبلوماسياً ليس محض صدفة، بل هو قرار محسوب ينبع من معادلة جيوسياسية دقيقة. فباكستان تمثل نقطة تقاطع نادرة: دولة مسلمة نووية، تربطها علاقات عميقة مع واشنطن من جهة ولا تقطع خيوط تواصلها مع طهران من جهة أخرى، وتشترك مع إيران في حدود برية تمتد نحو 900 كيلومتر.
#زيارة_عراقجي تحمل في طياتها ثلاث رسائل متداخلة:
#الرسالة الأولى — التموضع:
طهران لا تفاوض من موقع الضعف. اختيار ثلاثة محطات بالتسلسل — إسلام آباد، موسكو، مسقط — يُجسّد ما يمكن تسميته “استراتيجية المروحة الدبلوماسية”؛ إذ تسعى إيران إلى تعزيز أوراقها التفاوضية بتنويع علاقاتها قبيل أي جولة مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع واشنطن.
#الرسالة الثانية — موسكو:
التوقف في موسكو يُلقي ظلاله مباشرةً على الطاولة. طهران تُذكّر واشنطن بأن لديها شريكاً استراتيجياً دائم العضوية في مجلس الأمن، وأن أي ضغط مفرط سيدفعها نحو مزيد من الانغماس في المنظومة الروسية الصينية. هذه ليست رسالة دبلوماسية فحسب، بل هي ورقة ضغط في المفاوضات.
#الرسالة الثالثة — مسقط:
سلطنة عُمان تؤدي دوراً تاريخياً موثقاً في الوساطة بين طهران وواشنطن — من المفاوضات السرية عام 2013 التي مهدت لاتفاق جنيف، وصولاً إلى القنوات غير الرسمية في مراحل لاحقة. مسقط هي البريد الدبلوماسي الموثوق الذي لا يُفشي أسراره.
#شروط طهران: ما بين المُعلَن والمضمَر:
#تاريخياً، تُفاوض إيران على ثلاثة مستويات متداخلة:
• #المستوى النووي الظاهر: رفع العقوبات مقابل تقييد التخصيب
• #المستوى الأمني المضمَر: ضمانات بعدم استهداف النظام وتغيير طبيعته
• #المستوى الإقليمي البعيد المدى: الاعتراف بالنفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن
وصول وفد أمريكي إلى إسلام آباد خلال 36 ساعة من الزيارة الإيرانية يُثبت أن الطرفين يتحركان بتنسيق غير مباشر، ويُشير إلى أن باكستان تؤدي دور “المرسال” بين طرفين لا يريدان الجلوس وجهاً لوجه حتى الآن…. وعودة الوفد يدل على أن أمريكا تتفاوض بنهج المنتصر الذي يفرض شروطه وإيران ترفض هذا الإذعان وتريد تفاوض تشاركي لا تفاوض المنتصر على المهزوم والذي يظهرها بمظهر الضعف.
ثانياً: الحصار البحري الأمريكي ومعادلة القوة في مضيق هرمز:
#الجغرافيا كسلاح استراتيجي:
مضيق هرمز بعرضه الأدنى البالغ 33 كيلومتراً فقط يُمرّر نحو 20-21% من تجارة النفط العالمية. هذا الرقم يُحوّل المضيق من ممر مائي إلى رهينة استراتيجية بامتياز. من يتحكم في هرمز أو يهدد حركته يمسك بـ”صمام أوكسجين” الاقتصاد العالمي.
#تصريح_وزير الحرب الأمريكي: #قراءة في العمق:
القول بأن الحصار البحري “أقوى من الضربات العسكرية” ليس مبالغةً بلاغية، بل هو تحليل دقيق #لثلاثة أسباب:
#أولاً — الزمن: الضربة العسكرية لحظية في تأثيرها، بينما الحصار تراكمي ومتصاعد. الضغط الاقتصادي يتسلل إلى كل خلية في المنظومة الإيرانية: العملة، والتضخم، والشرعية الشعبية للنظام.
#ثانياً — الشرعية الدولية: الضربة العسكرية تُوحّد الإيرانيين خلف قيادتهم وتُعطي طهران ورقة الضحية أمام العالم. الحصار يُفرّق: قطاعات اقتصادية تضغط على النظام، ومجتمع يُلقي اللوم على حكومته.
#ثالثاً — المرونة التكتيكية: الحصار قابل للتخفيف أو التشديد بسهولة تبعاً لمسار المفاوضات، وهو ما يجعله أداة ضغط مرنة بخلاف القوة العسكرية التي يصعب التراجع عن تبعاتها.
#تأثير الحصار على مسار المفاوضات:
تجدر الإشارة إلى معادلة تاريخية ثابتة: الضغط المفرط يُعيق التسوية بينما الضغط المحسوب يُسرّعها. إيران عام 2013 جلست للتفاوض ليس لأن الضغط الغربي توقف، بل لأنه بلغ حداً جعل الكلفة الاقتصادية لا تُحتمل. غير أن الضغط الراهن مشفوعاً بثلاث حاملات طائرات قد يُقرأ في طهران على أنه يرمي إلى الإجبار لا التفاوض — وهو ما يُصلّب المواقف لا يُليّنها.