مجهر الصحراء : الأسرة
مقومات الأبوة في تربية الأبناء..
بقلم : د. عبدالكريم بكار
من أكثر الأوهام التي أرهقت جيلًا من الآباء والأمهات في عصرنا فكرة «الأب المثالي»؛ ذلك الأب الذي لا يغضب، ولا يخطئ، ولا يرفع صوته، ويعرف دائمًا ماذا يقول، ويتخذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح، ويفهم أبناءه في كل مراحلهم، ويمنح كل واحد منهم ما يحتاج إليه دون زيادة أو نقصان.
هذا الأب لا وجود له.
التربية في حقيقتها علاقة بين بشر؛ أب وأم لهما طباعهما وظروفهما ونقاط ضعفهما، وأبناء لكل واحد منهم شخصيته واحتياجاته وتحولاته. ولهذا فإن الخطأ ليس أمرًا طارئًا على العملية التربوية، بل هو جزء طبيعي منها.
المشكلة ليست في أن يخطئ الأب، وإنما في ألا يتعلم من خطئه.
قد يغضب الأب في موقف كان يحتاج إلى الهدوء، وقد يقسو حين كان ينبغي أن يرفق، وقد ينشغل عن ابنه في لحظة كان الابن يحتاج فيها إليه، ثم يعود في نهاية يومه محملًا بالندم، ويبدأ في محاكمة نفسه:
هل أنا أب سيئ؟
هل أفسدت أبنائي؟
هل كان ينبغي أن أتصرف بطريقة مختلفة؟
إن مراجعة النفس مطلوبة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين مراجعة النفس وجلد الذات.
مراجعة النفس تقول: أخطأتُ، فكيف أصلح خطئي؟
أما جلد الذات فيقول: أخطأتُ، إذن أنا أب فاشل.
الأولى تفتح باب الإصلاح، والثانية تستنزف الإنسان وتجعله يعيش أسيرًا للشعور بالذنب.
والأبناء، في الحقيقة، لا يحتاجون إلى أب كامل؛ وإنما يحتاجون إلى أب صادق في محبته، حاضر حين يستطيع، يعتذر حين يخطئ، ويتعلم كلما اكتشف قصورًا في أسلوبه.
ولعل من أجمل ما يتعلمه الطفل داخل أسرته أن يرى والده يخطئ ثم يعتذر. فهذا لا يسقط هيبة الأب كما يظن البعض، بل يعلم الابن درسًا بالغ الأهمية: أن الإنسان يمكن أن يخطئ دون أن يكون سيئًا، وأن الاعتراف بالخطأ قوة، وأن العلاقات يمكن إصلاحها بعد أن تتعرض للخدش.
إن التربية الجيدة لا تعني بيتًا بلا أخطاء، وإنما بيتًا يعرف أهله كيف يصلحون أخطاءهم.
كما ينبغي ألا يحمل الآباء أنفسهم مسؤولية كل شيء يحدث لأبنائهم. فالطفل ليس صفحة بيضاء يكتب الوالدان عليها ما يشاءان، وإنما هو إنسان له تكوينه الخاص، وطباعه، واختياراته، كما تؤثر فيه المدرسة، والأصدقاء، والمجتمع، والبيئة الثقافية، وعشرات المؤثرات الأخرى.
نحن مسؤولون عن بذل ما نستطيع من التربية والتوجيه والرعاية، ولسنا مالكين للنتائج.
ومن الظلم أن ينظر الأب إلى موقف واحد أخطأ فيه، وينسى مئات المواقف التي احتضن فيها أبناءه، وأن يختزل سنوات من الحب والرعاية والتعب في لحظة غضب ندم عليها.
التربية رحلة طويلة، ولا يُحكم على الرحلات الطويلة من عثرة واحدة.
الأب الجيد ليس الذي لا يسقط أبدًا، وإنما الذي يظل مستعدًا لأن يتعلم، ويعيد النظر، ويقترب من أبنائه، ويصلح ما يستطيع إصلاحه.
فبدل البحث عن «الأب المثالي»، ينبغي البحث عن «الأب النامي»؛ الأب الذي يصبح اليوم أكثر وعيًا مما كان بالأمس، وأكثر فهمًا لأبنائه، وأقدر على إدارة غضبه، وأسرع إلى الاعتذار، وأرحم بنفسه وبمن حوله.
إن أبناءنا لا يحتاجون إلى أن يرونا كاملين.
يحتاجون إلى أن يروا فينا بشرًا يحبونهم، ويجتهدون من أجلهم، ويخطئون أحيانًا، ثم يملكون الشجاعة ليعودوا ويصلحوا.
فلا نجعل السعي إلى التربية المثالية يحرمنا جمال التربية الإنسانية.
وفي نهاية كل يوم، بدل أن يسأل الأب نفسه:
«هل كنت أبًا مثاليًا اليوم؟»
لعل السؤال الأجدى أن يكون:
هل أحببت أبنائي؟ هل تعلمت شيئًا جديدًا عنهم؟ وهل هناك خطأ أستطيع إصلاحه غدًا؟
هذا يكفي لبداية يوم جديد .