الدين بالمغرب بين التقنين والانتقائية:
بقلم: د.محمد سالم إنجيه
هل يسير المغرب نحو تضييق الرموز الدينية على خطى النموذج الفرنسي؟
نجاح منع استعمال الرموز الوطنية والدينية من خلال الأنظمة الانتخابية بدعوى الحفاظ على سلامة التنافس الانتخابي، فتح شهية السلطات لمزيد من التحكم عبر التقنين لاستعمال تلك الرموز في غير الانتخابات؛ الأمر الذي يعكس تحوّلًا في تصور الدولة للعلاقة بين الدين والمجال العمومي. ويزداد هذا النقاش حساسية حين يُطرح في سياق بلد يعرّف نفسه دستوريًا بأنه دولة إسلامية، ويتأسس نظامه على المرجعية الإسلامية بوصفها الضامن لوحدة المغرب وصيانة ثوابته.
المغرب ليس دولة علمانية بالمعنى الغربي، بل يقوم نظامه الدستوري على محاولة تحقيق توازن بين المرجعية الإسلامية والانفتاح على القيم الكونية. فالدين في السياق المغربي ليس مجرد خيار فردي معزول، بل هو عنصر مركزي في الهوية الجماعية، يخالف جهود وزارة الأوقاف في تنميط تدين المغاربة. وهو ركيزة في البناء التاريخي للمجتمع والدولة. ومن ثم فإن أي توجه نحو الحدّ من الرموز الدينية أو إخضاعها لتضييقات تنظيمية صارمة يثير تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام ذلك مع الخصوصية المغربية، ومع واجب حماية الدين وتنظيمه بما يحفظ الثوابت ويصون الوحدة المذهبية.
لا يمكن إنكار الحضور القوي للنموذج الفرنسي في الثقافة القانونية والإدارية المغربية، بحكم الإرث التاريخي وفترة الحماية. ويُعدّ مفهوم اللائكية أحد أبرز مرتكزات الجمهورية الفرنسية، حيث تُمنع الرموز الدينية البارزة في المدارس العمومية، ويُحظر تغطية الوجه في الفضاء العام. غير أن استنساخ هذا النموذج في سياق مغربي مختلف جذريًا يطرح إشكالًا عميقًا؛ إذ قامت اللائكية الفرنسية على خلفية صراع تاريخي مع الكنيسة، بينما لم يعرف المغرب صراعًا مماثلًا بين الدولة والمؤسسة الدينية، بل قامت العلاقة بينهما على التكامل والتنظيم والاحتواء.
إن استيراد أدوات تنظيمية دون استحضار السياق الثقافي والدستوري قد يؤدي إلى ارتباك في التصور العام لهوية الدولة، ويخلق فجوة بين المرجعية المعلنة والممارسة الفعلية. وهنا لا يتوقف الجدل عند مسألة التقنين في حد ذاتها، بل يتجاوزها إلى سؤال الانتقائية في التطبيق.
ففي الوقت الذي تلجأ فيه السلطات إلى ضبط بعض الرموز الدينية أو الحدّ من حضورها، يلاحظ المتابعون تساهلًا أو صمتًا رسميًا تجاه محتويات رقمية وإعلامية تمسّ مسلمات دينية أو تجرؤ على ثوابت عقدية وفقهية بشكل مباشر. هذه المفارقة قد تفضي إلى شعور بازدواجية المعايير: تشدد تجاه المظاهر والرموز، مقابل تساهل تجاه الخطاب الذي يمسّ جوهر القيم والمفاهيم. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المطلوب ضبط الشكل أم حماية المضمون؟ وهل يؤدي التضييق على الرمزية إلى تحصين المجتمع، أم إلى خلق توتر هوياتي غير مبرر؟
لا شك أن كل مجتمع يحتاج إلى أطر قانونية تضبط التعايش وتحفظ السلم الاجتماعي. غير أن تنظيم المجال العام، في سياق كالمغرب، يستلزم حساسية خاصة، لأن الدين ليس عنصرًا طارئًا، بل ركيزة في الوجدان الجماعي. ومن أمثلة القرارات التي أثارت جدلًا في هذا السياق، ما تعلق بتحديد العبارات المسموح بكتابتها على سيارات نقل الأموات، ومنع كتابة كلمة التوحيد. فرغم الطابع التنظيمي الظاهر، فإن المساس بالرمزية المرتبطة بالموت والجنائز في مجتمع يغلب عليه الطابع الإسلامي يُفهم تلقائيًا بوصفه مساسًا بالهوية.
المشكلة هنا ليست في حق الدولة في التنظيم، بل في غياب قراءة حساسة للأثر الرمزي والاجتماعي لبعض القرارات؛ فعندما تُمنع عبارات دينية مرتبطة بالهوية الإسلامية في فضاءات ذات دلالة روحية عميقة، يتساءل المواطن البسيط عن طبيعة التحولات الجارية في المجال العام، خاصة إذا تزامن ذلك مع اتساع فضاء رقمي مفتوح أمام خطاب يمسّ الثوابت دون رد مؤسساتي واضح.
وفي سياق تتكاثر فيه موجات الطعن في المسلمات الدينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتتكرر فيه الأسئلة التي تمسّ أركان الإسلام وثوابته، ينتظر الناس حضورًا أقوى من مؤسساتهم الدينية، وتمكينًا أوسع للعلماء القادرين على البيان والرد. غير أن الملاحظ هو مفارقة مقلقة: تقييد المنبر، وتوحيد خطبة الجمعة، والتشديد على بعض الشكليات داخل المساجد، مقابل غياب مؤثر في مواجهة بعض الخطابات التي تمسّ أركان الدين في الفضاء الرقمي.
قد يُبرَّر توحيد خطبة الجمعة بالسعي إلى منع التوظيف السياسي للمنبر وضبط الرسالة الدينية في إطار جامع، غير أن الإفراط في هذا التوحيد، ومنع العلماء من معالجة القضايا المستجدة أو الرد المباشر على موجات الطعن، قد يخلق فراغًا حقيقيًا في التأطير؛ فالمنبر في الوعي المغربي ليس مجرد مكانا لنص يُقرأ، بل فضاء تفاعل حي بين العالم ومجتمعه. وعندما يُختزل دور العالم في الالتزام الحرفي بنص موحد، تتراجع صورته كمرجعية فكرية مستقلة، ويضعف حضوره كقدوة. وإضعاف صورة العلماء في أعين الناس يفضي، على المدى البعيد، إلى إضعاف الحصن المعرفي الذي يحمي الثوابت.
يتعزز هذا الإحساس حين يُنظر إلى تشديد الإجراءات على بعض الجمعيات ذات الطابع الديني، أو التضييق على أنشطتها التأطيرية، في مقابل اتساع فضاء غير منظم على وسائل التواصل؛ فالدستور يكفل حرية تأسيس الجمعيات، غير أن التطبيق الإداري الصارم، خصوصًا في المجال الديني، قد يُقرأ باعتباره تضييقًا لا مجرد تنظيم.
ولا يخفى أن الالتزام الديني يضعف مع طول الوقت نتيجة تضخيم الخلافات الشكلية على حساب القضايا العقدية الكبرى، وتحجيم العلماء وتقليص دورهم التأطيري، وغياب ردود مؤسساتية واضحة على الشبهات، واتخاذ قرارات ذات أثر رمزي يُفهم كإزاحة تدريجية للمقدس من المجال العام.
د محمد سالم انجيه