أي حضور للديمقراطية والحكامة في السباق الانتخابي المقبل..؟
بقلم د.سيدي اعلي سالم هبد
يقف المشهد السياسي اليوم على أعتاب مرحلة انتقالية كبرى، محفوفة بأسئلة وجودية تتجاوز مجرد الصراع على المقاعد أو ترتيب التحالفات. إننا أمام استحقاق انتخابي لا يُقاس بنسبة المشاركة فحسب، بل بمدى قدرته على استعادة “المعنى” للعمل السياسي الذي تآكلت جدرانه بفعل ممارسات جعلت من المبدأ استثناءً، ومن المصلحة قاعدةً ذهبية.
1. الترحال السياسي: طعنة في خاصرة التعاقد الأخلاقي
إن ظاهرة “الترحال بين الأحزاب” – أو ما يمكن تسميته بـ “سياحة التزكيات” – ليست مجرد إجراء قانوني أو تغيير في اللون السياسي؛ إنها في جوهرها إعلان إفلاس أخلاقي. عندما يستيقظ الفرد على مبادئ “اليمين” وينام على شعارات “اليسار” لمجرد أن الحزب الآخر يضمن له مقعداً أو نفوذاً، فإنه يوجه رسالة مدمرة للناخب مفادها: “صوتك ليس تعاقداً على مشروع، بل وقود لمحرك طموحي الشخصي”.
هذا القفز من سفينة إلى أخرى يُفرغ الأحزاب من محتواها الإيديولوجي، ويحولها إلى “دكاكين انتخابية” تفتح أبوابها في المواسم، وتستورد “بضاعة بشرية” جاهزة لجلب الأصوات، بدلاً من صناعة نخب حقيقية تؤمن بخط الحزب وتناضل من أجل برامجه.
2. الشرعية الانتخابية: بين “الرقم” و”القيمة”
تُبنى الشرعية في النظم الديمقراطية الرصينة على التراكم والوضوح. أما ما نشهده غالباً، فهو محاولة لاستبدال “الشرعية الشعبية” بـ “الانتهازية الرقمية”؛ حيث يُختزل النجاح في عدد المقاعد المحصل عليها، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة أو مدى وفاء الفائز بوعوده السابقة.
الانتهازية السياسية هي العدو الأول للاستقرار؛ لأنها تخلق مؤسسات هشة، قوامها أشخاص لا يربطهم بالوطن أو الحزب سوى “عقد مصلحة” ينتهي بانتهاء مدة الانتداب. إن “الانتهازي” لا يبني دولة، بل يؤثث مساراً، بينما “رجل الدولة” هو من يستمد شرعيته من ثباته على المبادئ حتى لو كلفه ذلك خسارة المقعد.
3. الطريق نحو انتخابات 2026: استعادة الثقة أو تكريس العزوف
مع اقتراب محطة سبتمبر 2026، يبدو الرهان مزدوجاً. فمن جهة، هناك رغبة مؤسساتية في “تخليق الحياة السياسية” عبر ترسانة قانونية تضيق الخناق على الفساد الانتخابي والترحال العبثي. ومن جهة أخرى، هناك واقع اجتماعي يتسم بـ عزوف سياسي حاد، خاصة لدى الشباب الذين كفروا بـ “الوجوه المكررة” التي تغير يافطاتها الحزبية كما تغير معاطفها.
إن الانتقال الانتخابي الحقيقي لا يكتمل إلا بـ:
ثورة في الاختيار: أن يتحمل الناخب مسؤوليته في معاقبة “الرحّالة” وعدم الانخداع بالوعود الشعبوية اللحظية.
تفعيل “الأحزاب المؤسساتية”: التي تحترم مناضليها الأوفياء ولا تقدم الغرباء (الأعيان) عليهم عند توزيع التزكيات.
ربط المسؤولية بالمحاسبة السياسية: بحيث يُمنع قانوناً وأخلاقياً كل من خان ثقة ناخبيه في حزب ما من العودة بيافطة أخرى في الدورة الموالية.
السياسة كرسالة وليست كتجارة:
إن بناء الأوطان لا يتم عبر صفقات “تحت الطاولة” أو عبر تجميع كتل هلامية من النفعيين. إننا بحاجة إلى “فرز تاريخي” يعيد للسياسة ألقها باعتبارها أسمى فن لخدمة المجتمع. إن الاستحقاق القادم ليس مجرد محطة لفرز الفائزين، بل هو اختبار لضمير النخبة السياسية: هل سنختار طريق الشرعية الصعبة التي تبني المؤسسات؟ أم سنستسلم لغواية الانتهازية السهلة التي تهدم الثقة وتقتل الأمل في التغيير؟
إن التاريخ لا يرحم الذين جعلوا من الوطن جسراً، ومن المواطن سلماً.. والمستقبل لمن يملك الشجاعة ليقول “لا” للانتهازية، و”نعم” لصدق الانتماء