احين يصبح النقد مسؤولية، والمزايدة عبئاً على النقاش الديمقراطي:
بقلم: المهندس عبد الله أيت شعيب،
نائب برلماني ورئيس مجلس جماعي سابق.
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
في الحياة السياسية، ليست كل هفوة خطيئة، ولا كل خطأ دليلاً على سوء النية، كما أن الدفاع عن الثوابت الوطنية لا يكتمل بمجرد رفع الشعارات، بل يقتضي الإنصاف في الأحكام، والموضوعية في المواقف، والتمييز بين النقد المشروع والمزايدة السياسية.
ولعل النقاش الذي أثير داخل مجلس النواب، عقب تسجيل بعض الأخطاء اللغوية على السيدة رئيسة الحكومة أثناء تقديم البرنامج الحكومي، يستحق وقفة هادئة ومسؤولة؛ ليس دفاعاً عن شخص أو انحيازاً إلى أغلبية، وإنما انتصاراً لمبدأ أراه أساسياً في الممارسة السياسية الرشيدة: *أن ننتقد الأخطاء دون أن نختلق النوايا، وأن ندافع عن اللغة العربية دون أن نحولها إلى أداة لتصفية الحسابات الحزبية.*
لا جدال في أن اللغة العربية تحتل مكانة دستورية وحضارية مركزية في المغرب، وأن سلامة استعمالها في الخطاب الرسمي مسؤولية تفرضها مكانة المؤسسات وثقة المواطنين.
ومن حق المغاربة أن ينتظروا من رئيسة الحكومة، كما من سائر المسؤولين العموميين، الحرص على التعبير بالعربية السليمة، ولا سيما عند مخاطبة ممثلي الأمة وتقديم البرامج والتوجهات الحكومية.
ومن ثم، فإن التنبيه إلى الأخطاء اللغوية ليس إساءة، بل قد يكون واجباً محموداً، متى صدر عن حرص صادق على تطوير الأداء وتحسين مستوى الخطاب الرسمي.
غير أن الإشكال يبدأ عندما يتجاوز النقاش حدود التصحيح اللغوي إلى إصدار أحكام على النوايا، أو عندما تتحول هفوات في التعبير إلى اتهامات بالإصرار على المساس باللغة العربية أو الانتقاص من مكانتها.
فالخطأ في استعمال اللغة لا يثبت، في حد ذاته، موقفاً معادياً لها؛ والتعثر في التعبير بها لا يكفي للحكم على صاحبه بأنه يتعمد الإساءة إليها.
إن الإنصاف يقتضي التمييز بين ما تثبته الوقائع وما قد توحي به التأويلات السياسية. فلا يجوز أن نحمّل خطأً لغوياً أكثر مما يحتمل، ولا أن نجعل منه دليلاً على موقف لا تسنده قرائن واضحة.
كما أن القراءة الموضوعية تستدعي مراعاة المسار التعليمي والمهني للسيدة رئيسة الحكومة، وما يبدو من غلبة التكوين والاستعمال المهني للغة الفرنسية في خلفيتها. وقد يساعد هذا المعطى على فهم بعض أوجه التعثر في التعبير بالعربية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتقصير أو إعفاء من واجب تحسين المستوى اللغوي.
فمراعاة الخلفية التكوينية ليست تبريراً للضعف، كما أن المطالبة بالكفاءة لا تستلزم التجريح أو التشكيك في النوايا. وبين الأمرين مساحة واسعة للنقد البناء، والنصيحة الصادقة، والتصحيح المسؤول.
ومن هنا، فإن نصيحتي إلى السيدة رئيسة الحكومة هي أن تتعامل مع هذه الملاحظات باعتبارها فرصة لتعزيز كفاءتها في اللغة العربية، والحرص على سلامة خطابها الرسمي ووضوحه.
فالمسؤولية العمومية تقتضي تطوير الأداء باستمرار، والاستفادة من النقد مهما اختلفت دوافع أصحابه، ما دام يتضمن ملاحظة موضوعية تستحق الاعتبار.
وفي المقابل، فإنني أوجّه إلى السيدات والسادة النواب دعوة إلى الارتقاء بالنقاش البرلماني إلى مستوى المسؤولية الدستورية والأخلاقية الملقاة على عاتقهم.
فمن حق المعارضة أن تنتقد رئيسة الحكومة، وأن تحاسبها على اختياراتها وقراراتها، وأن تكشف أوجه القصور في الأداء الحكومي؛ بل إن ذلك من صميم دورها الديمقراطي. لكن المعارضة الجادة لا تحتاج إلى تضخيم الهفوات أو تحميلها دلالات غير ثابتة حتى تثبت حضورها السياسي.
إن معارضة رئيسة الحكومة حق مشروع، أما جعل كل خطأ مناسبة لمعارضتها، بصرف النظر عن حجمه وحقيقته، فليس بالضرورة ممارسة سياسية مسؤولة.
فاللغة العربية ليست ملكاً لحزب، ولا حكراً على تيار سياسي، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للمزايدة أو معيار للتشكيك في وطنية الأشخاص. إنها لغة رسمية للدولة، ومكوّن أساسي من هويتنا الوطنية، وصون مكانتها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود الأغلبية والمعارضة.
وإذا أردنا بالفعل خدمة اللغة العربية، فإن الأولى بنا ألا نحصر الدفاع عنها في سجالات عابرة داخل البرلمان، بل أن نجعله ورشاً وطنياً مستمراً يشمل المدرسة والجامعة والإدارة والإعلام والتكوين المهني، مع تعزيز حضورها في مجالات المعرفة والبحث العلمي والتواصل المؤسساتي.
فالدفاع الحقيقي عن اللغة لا يكون بالتشهير بمن أخطأ في استعمالها، وإنما بتصحيح الخطأ، وتطوير الكفاءة، وترسيخ ثقافة لغوية تجعل إتقان العربية قيمة عملية في تدبير الشأن العام.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى خطاب سياسي مسؤول، يضع القضايا الكبرى في صدارة الاهتمام، ويمنح المواطنين ما يستحقونه من نقاش جاد حول التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والعدالة الاجتماعية والمجالية. أما استنزاف الزمن البرلماني في سجالات لا تتناسب مع حجمها، فإنه يهدد بتحويل النقاش السياسي من وسيلة لخدمة المواطن إلى غاية في حد ذاته.
وخلاصة موقفي أنني أدعو إلى إنصاف اللغة العربية دون ظلم الأشخاص، وإلى تصحيح الأخطاء دون تضخيمها، وإلى ممارسة المعارضة دون تحويلها إلى خصومة دائمة مع كل ما يصدر عن الحكومة.
فالحكومة ليست فوق النقد، والمعارضة ليست فوق المساءلة الأخلاقية، واللغة العربية أسمى من أن تكون وقوداً للتجاذبات الحزبية.
إن المسؤولية السياسية الحقيقية لا تقاس بحدة الاتهامات، بل بصدق النيات، وقوة الحجة، وجودة البدائل، والقدرة على التمييز بين ما يستحق النقد وما لا يستحق المزايدة.
ولذلك، فإنني لا أكتب دفاعاً عن رئيسة الحكومة، ولا انتقاصاً من حق المعارضة، وإنما دفاعاً عن مبدأ أؤمن به: أن الإنصاف أساس النقد النزيه، وأن احترام اللغة العربية يقتضي خدمتها بالفعل لا استغلالها سياسياً، وأن مصلحة الوطن تظل فوق الحسابات الحزبية الضيقة.