المجتمع المدني بمدينة السمارة إلى أين ؟ شروط الدعم والإقصاء وسؤال الاستمرارية
بقلم: [لشكر عبدالله] – مجهر الصحراء
السمارة – في الوقت الذي تتجاوز فيه الجمعيات المسجلة بمدينة السمارة 400 جمعية، لا تزال ساكنة المدينة تطرح نفس الأسئلة كل سنة : أين هي هذه الجمعيات في قضايا التنمية المختلفة كالبيئة، الصحة ،الطفولة و الشباب، والمرأة ؟ ولماذا يختفي معظمها بعد صرف الدعم؟ هذا التحقيق التحليلي يحاول تفكيك معادلة الدعم والإقصاء والاستمرارية .
يوجد في السمارة وحدها أزيد من 400 جمعية مسجلة، وهو رقم يوحي بحيوية مجتمعية كبيرة . لكن السؤال الحقيقي ليس “كم عدد الجمعيات؟” بل “كم جمعية تعمل وتؤثر فعلا ؟”. الواقع يقول أن أقل من 15% منها يشتغل بشكل منتظم، والباقي جمعيات موسمية تظهر مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتختفي بعدها.
المجتمع المدني في السمارة يعيش مفارقة: وفرة في العدد، وندرة في الأثر.
أولا: خريطة المجتمع المدني بالسمارة :
يمكن تقسيم المجتمع المدني إلى ثلاث فئات:
1 – جمعيات قوية ومستمرة (10%): لها مقرات، تقارير مالية، شراكات مع منظمات وطنية. غالبا في مجالات المرأة، الإعاقة، والبيئة الصحراوية. هذه استمرت لأنها بنت استقلاليتها.
2 – جمعيات المناسبات (60%): تنشط في فبراير (اليوم الوطني للسلامة الطرقية) او مارس (عيد المرأة)، نونبر (المسيرة الخضراء)، تعاني في صمت من غياب الدعم وخطابها وتقاريرها تبرز ذلك .
3 – جمعيات جامدة (30%): موجودة على الورق فقط، تستعمل كواجهة للحصول على الدعم أو لخدمة أجندة انتخابية.
ثانيا: شروط الدعم.. بين القانون والواقع :
قانونيا، شروط الدعم من الجماعة أو العمالة أو المبادرة واضحة: ملف قانوني، تقرير أدبي ومالي، مشروع واضح، حساب بنكي.
واقعيا، في السمارة تضاف شروط أخرى غير مكتوبة :
– شرط القرب: القرب من مركز القرار المحلي يسهل الحصول على المعلومة وعلى الدعم قبل الآخرين.
– شرط الولاء الصامت: الجمعية التي تنتقد أو تسائل يتم تأديبها عبر التجاهل ، والدعم يصبح أداة لشراء الصمت.
– شرط الحجم لا الجودة: لجنة الدعم أحيانا تفضل جمعية تنظم مهرجانا كبيرا فارغا، على جمعية صغيرة تعالج مشكل النظافة في حي او السلامة المرورية في المؤسسات التعليمية بشكل مستمر.
والنتيجة أن الدعم لا يذهب دائما للأكثر كفاءة، بل للأكثر قدرة على التكيف مع قواعد اللعبة المحلية.
ثالثا: آليات الإقصاء الناعم :
الإقصاء في السمارة لا يكون بقرار مكتوب “نقصي جمعية كذا”، بل بآليات ناعمة :
1 – إقصاء المعلومة : لا يتم إخبار الجميع بفتح باب الدعم في نفس الوقت.
2 – إقصاء الاعتراف : جمعية تشتغل 5 سنوات بدون دعوة واحدة لاجتماع رسمي، بينما جمعية وليدة تدعى لكل شيء.
3 – إقصاء التقييم : لا يوجد تقييم بعدي للمشاريع المدعمة. فقد تكون جمعية أخذت 50.000 درهم مثلا ولم تنجز شيئا، تعود في السنة القادمة وتأخذ الدعم مرة أخرى، لأنه لا أحد يحاسب.
وهذا الأمر يقتل الكفاءات الحقيقية ويدفعها للهجرة أو الانسحاب.
رابعا : سؤال الاستمرارية.. لماذا تموت الجمعيات؟
سألت 3 رؤساء جمعيات سابقة بالسمارة، كلهم أجمعو على نفس الأسباب :
– التمويل الموسمي : نعيش على دعم المبادرة فقط. انتهى الدعم، انتهت الجمعية ، وبالتالي لا يوجد تفكير في مشروع مدر للدخل.
– صراع الأشخاص لا الأفكار : الجمعية مرتبطة بشخص الرئيس، فإذا مرض الرئيس أو سافر، ماتت الجمعية.
– غياب التكوين : أغلب المتطوعين لا يعرفون كيف يكتبون مشروعا، كيف يدبرون صفحة فيسبوك، كيف يصورون تقريرا. يشتغلون بالنية فقط، والنية لا تكفي.
– احتراق المتطوع : الشاب المتحمس يشتغل سنتين بلا مقابل، يرى الجمعيات الانتهازية تأخذ الدعم، فيصاب بالإحباط ثم ينسحب.
الخلاصة : إلى أين ؟
المجتمع المدني بالسمارة أمام مفترق طرق:
إما أن يبقى ديكورا اجتماعيا يستعمل لتأثيث الصور الرسمية،
وإما أن يتحول إلى *قوة اقتراحية حقيقية* تفرض نفسها.
*وللوصول للمقترح الثاني، نقترح في مجهر الصحراء فتح نقاش حول ميثاق محلي :
1 – منصة شفافة للدعم : تنشر فيها لائحة الجمعيات المستفيدة من الدعم والمبالغ ونوعية المشاريع على موقع الجماعة.
2 – تكوين إلزامي قبل الدعم: أي جمعية تريد الدعم، يجب أن يمر أعضاؤها من تكوين 3 أيام في كتابة المشاريع.
3 – دعم الاستمرارية لا الحدث : تخصيص الدعم للجمعيات التي لها مقرات ، والجمعيات التي لها برنامج أنشطة طيلة السنة، وليس فقط المهرجانات.
4 – استقلالية التقييم : تعيين لجنة دعم مستقلة تضم أساتذة واطرا وإعلاميين، وليس فقط الموظفين.
إن المجتمع المدني لم يكن يوما عدوا للسلطة بل هو شريكها عندما يكون قويا ومستقلا. وضعفه او اضعافه ليس في صالح أحد.
خاتمة :
هذا الملف هو بداية نقاش مفتوح ، جريدة مجهر الصحراء تفتح بابها لكل الفاعلين الجمعويين بالسمارة للرد والتوضيح. ما رأيك أنت؟ هل جمعيتك استفادت بشكل عادل؟ اكتب لنا في التعليقات.