إلى السيد وزير التربية الوطنية: الهدر المدرسي لا يبدأ عند باب المدرسة
من الرأسمال التعليمي للأسرة إلى وقف النزيف ومعالجة التراكمات
الحسين زاهدي، أستاذ التعليم العالي، خبير في السياسات التربوية العمومية
السيد الوزير المحترم،
مع توليكم مسؤولية تدبير قطاع التربية الوطنية في مرحلة جديدة من الإصلاح، أكدتم، بمناسبة تسليم السلط يوم 16 أكتوبر الجاري، على مواصلة الدينامية الإصلاحية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وترسيخ الإنصاف وتكافؤ الفرص وقد اتضح من خلال الهندسة الجديدة للقطاع الذي تشرفون عليه الأولوية التي يحظى بها ملف الهدر المدرسي من خلال احداث منصب وزاري يعمل بالتعاون معكم على معالجة معضلة الهدر المدرسي الى جانب تدبير التعليم الاولي وهما على كل حال مستويان من الاشتغال متداخلان بشكل كبير ومعقد. وفي هذا السياق، نود أن نقترح عليكم زاوية نظر قد تساعد، في تقديرينا، على إعادة التفكير في سياسة الوقاية من الهدر المدرسي.
فالمتعلم كما لا يخفى عليكم لا يدخل إلى المدرسة خالي الوفاض. بل إنه يأتي إليها حاملا معه رصيدا من الموارد التعليمية والثقافية والاجتماعية التي تم تشكيلها في الأسرة والمحيط الذي نشأ فيه. وقد بينت الأدبيات السوسيولوجية والتربوية، منذ أعمال “بيير بورديو”، أن هذا الرصيد ــ من اللغة والعادات القرائية والمعارف الثقافية وحتى الميول والمواقف تجاه التعليم والتعلم التي تمثل نوعا من الرأسمال غير المادي الذي يصطحبه معه كل واحد وهو يلج أبواب المؤسسة التعليمية لها أثر بالغ في نجاحه او فشله او تعثره خلال مسيرته الدراسية
إلى انتظارات الأسرة من التعليم وقدرتها على مواكبة المسار الدراسي ــ يشكل أحد العناصر التي تؤثر في شروط النجاح والتعثر المدرسي. وإذا كان رواد ورائدات مدارسنا مختلفين في هذا المستوى فان المدرسة بكل تأكيد مطالبة، بأن تعمل على تقليص تلك الفوارق ذات الجذور الاجتماعية. وكل تجاهل للتفاوت في الرأسمال التعليمي والثقافي للأسر عند بناء سياسة الوقاية من الهدر المدرسي قد يجعل التدخل ينصب على نتيجة المشكلة أكثر مما ينصب على بعض شروط إنتاجها.
ومن هنا تطرح مسألة الهدر المدرسي سؤالا يتجاوز المدرسة نفسها:
“كيف يمكن أن نمنع الانقطاع عن الدراسة إذا كانت شروط الاستمرار والنجاح غير متكافئة بين المتعلمين، تبعا لأسرهم ومجالاتهم الترابية؟”
وتصبح المسألة أكثر إلحاحا حين يتعلق الأمر بالفتيات في الوسط القروي.
ماذا تقول لنا أرقام المندوبية السامية للتخطيط؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا نحتاج إلى الانطباعات، بل إلى المعطيات الرسمية. فتقرير المندوبية السامية للتخطيط “المرأة المغربية في أرقام 2026″يقدم لنا مؤشرات دالة للغاية.
لم يتجاوز معدل نسبة تمدرس الفتيات القرويات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و17 سنة 2024–2025 نسبة62% فقط في حين حققت زميلاتهن في المدن معدل100%
إن الفارق البالغ 38 نقطة مئوية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفاوت إحصائي؛ فهو يكشف أن شروط الاستمرار في الدراسة ليست واحدة بين المجالين الحضري والقروي.
وهنا ينبغي، في تقديرينا، أن يبدأ التفكير في سياسة جديدة للهدر المدرسي:
فقبل أن نسأل كيف نعيد المنقطعين إلى المدرسة، ينبغي أن نسأل كيف نمنع المزيد من الفتيات القرويات من الانقطاع عن الدراسة.
أي أن وقف النزيف يجب أن يسبق، أو على الأقل أن يسير بالتوازي مع، معالجة التراكمات.
لكن النزيف الحالي له جذور في تراكمات الماضي
تكشف أرقام المندوبية السامية للتخطيط، في الوقت نفسه، حجم الحرمان التعليمي المتراكم لدى النساء القرويات. فاذا كانت نسبة النساء في سن 15 سنة فأكثر دون شهادة في المدن قد بلغت سنة 2025 ،44.6% فان تلك النسبة عند زميلاتهن في القرى والبوادي قد ارتفعت لتبلغ70.1%.
كما بلغت في السنة نفسها نسبة النساء القرويات اللواتي يعرفن القراءة والكتابة 31.4% فقط لدى النساء في سن 50 سنة فأكثر.
اننا، إذن، أمام مفارقة تستحق أن تكون في صلب السياسة التعليمية:
جيل جديد من الفتيات أصبح أكثر حضورا في المدرسة، بينما تحمل أجيال من النساء، وخاصة في الوسط القروي، تراكمات ثقيلة من الحرمان التعليمي.
ومن هنا فإن السياسة العمومية مطالبة بالعمل في اتجاهين متكاملين:
أولا: وقف النزيف، من خلال تعبئة قوية وموجهة لضمان تمدرس الفتيات القرويات واستمرارهن في الدراسة، خصوصا في المراحل التي يزداد فيها خطر الانقطاع المدرسي.
وثانيا: معالجة التراكمات، من خلال محو الأمية وتعليم الكبار ورفع المستوى التعليمي للنساء، ولا سيما في المجالات القروية الأكثر تعرضا للحرمان التعليمي.
وهذا المسار الثاني لا ينبغي النظر إليه باعتباره سياسة اجتماعية منفصلة عن المدرسة. فحين نرفع الرصيد التعليمي للأسرة، فإننا لا نعالج حرمان امرأة من الماضي فحسب، وإنما نستثمر أيضا في شروط تعلم أبنائها وبناتها في الحاضر والمستقبل.
من محاربة الهدر إلى الوقاية منه
السيد الوزير المحترم،
لعل ما نحتاجه اليوم ليس فقط مزيد من البرامج لمحاربة الهدر المدرسي، وإنما إعادة بناء السياسة نفسها من منظور وقائي ومجالي.
فالهدر المدرسي يظهر بالفعل داخل المدرسة، لكن أسبابه لا توجد حصريا داخلها وحدها.
ولهذا فإن الدعم المدرسي، والنقل، والإيواء، والمواكبة الاجتماعية، ومدارس الفرصة الثانية، كلها تدخلات ضرورية؛ لكنها قد لا تكون كافية إذا لم نأخذ بعين الاعتبار الفوارق في الرأسمال التعليمي للأسرة وفي شروط الحياة بالمجالات الترابية المختلفة.
وهنا تصبح العدالة المجالية أكثر من مجرد توزيع متساو للخدمات والموارد؛ إنها تعني توجيه التدخل العمومي بشكل أكثر كثافة نحو المجالات والفئات التي تواجه عوائق أكبر أمام التمدرس والاستمرار والنجاح.
ولذلك، فإن التحدي أمام السياسة التعليمية الجديدة ليس فقط:
كم تلميذا أعدنا إلى المدرسة؟
بل أيضا:
كم فتاة قروية استطعنا أن نمنعها من مغادرة المدرسة أصلا؟
وإذا كان الهدف هو كسر انتقال الحرمان التعليمي من جيل إلى آخر، فإن الاستثمار في تمدرس الفتيات القرويات اليوم، بالتوازي مع معالجة التراكم التعليمي لدى النساء القرويات، قد يكون أحد المداخل الأكثر استراتيجية لبناء سياسة فعالة للوقاية من الهدر المدرسي.
فوقف النزيف يعالج الحاضر، ومعالجة التراكمات تحمي المستقبل. وكلاهما، في النهاية، قضية واحدة: تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص والعدالة المجالية في التعليم.