قانون المحاماة الجديد،
مصدره وحدود المسؤولية الدستورية والمؤسساتية
د. محمد أمغار
محام بهيئة الدار البيضاء
دكتور في القانون الدستوري والعلوم السياسية
قرأت العديد من الكتابات التي تعتبر أن الأمر قد حُسم بخصوص قانون المحاماة بمجرد نشره في الجريدة الرسمية بظهير. والغريب أن بعض أصحاب هذه الكتابات باحثون في القانون الدستوري؛ لذلك فإن هذه الخربشات موجهة أساساً إليهم.
لذلك أقول إنه ينبغي، في النقاش الدائر حول قانون المحاماة الجديد، التمييز بوضوح بين مصدر القانون ومضمونه، وبين الاختصاصات الدستورية للملك في مجال التشريع وتنفيذ القوانين ونشرها.
وقد سبق للفقه الدستوري المغربي، ومنه الدكتورمحمد أشركي في مؤلفه المرجعي الظهير الشريف في القانون العام المغربي، وهو عمل أكاديمي قدم بتاريخ 2 يوليوز 1981 لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، أن أبرز أن الطبيعة القانونية للظهير لم تكن واحدة، وأن الفقه اختلف حول مدى اشتماله على وظيفة تشريعية من عدمها .
ولذلك، لا يمكن استخلاص الطبيعة التشريعية للنص من مجرد صدوره في شكل ظهير، وإنما يتعين الرجوع إلى مصدر القاعدة ومضمونها والاختصاص الدستوري الذي صدر في إطاره الظهير.
وهذا التمييز يصبح أكثر وضوحاً في ظل دستور 2011، الذي أسند صراحة ممارسة السلطة التشريعية إلى البرلمان، بينما جعل إصدار الأمر بتنفيذ القانون من اختصاص الملك، وفق ما جاء في الفصل 50 من الدستور. وهي صلاحية كانت موجودة في جميع الدساتير المغربية السابقة، والمشار إليها في الفصل 26 من دستوري 1962 و1970 و1972، في الوقت الذي أضاف فيه الفصل نفسه أجلاً قدره ثلاثون يوماً للإصدار في دستوري 1992 و1996.
أي إن الملك، أسوة بأغلب رؤساء الدول في الدساتير المقارنة، أُسندت إليه وظيفة إصدار القانون. ومثال ذلك المادة 91 من الدستور الإسباني، التي تجمع صراحة بين التصديق والإصدار والأمر بالنشر، والمادة 10 من الدستور الفرنسي التي أسندت اختصاص الإصدار إلى رئيس الجمهورية.
فالملك، تبعاً لذلك، يمارس اختصاصات دستورية محددة في المجال التشريعي، ويمارسها بواسطة ظهائر، غير أن الظهير المتعلق بتنفيذ القانون ونشره في الجريدة الرسمية لا يغير هنا من طبيعة مصدر القانون، ولا يحول مضمونه إلى اختيار تشريعي صادر عن المؤسسة الملكية.
فقانون المحاماة، من حيث مساره التشريعي، بدأ كمشروع قانون أعدته الحكومة وصادقت عليه، ثم أُحيل على البرلمان وناقشته وصادقت عليه أغلبيته. ومن ثم، فإن نشره في الجريدة الرسمية، وإن كان إجراءً دستورياً وقانونياً لازماً لدخوله حيز التنفيذ، فإنه لا يغيّر حقيقة مصدره التشريعي، ولا ينقل المسؤولية السياسية عن مضمونه إلى جهة أخرى غير الجهة التي أعدته وصادقت عليه.
ومن هنا تبرز المسؤولية السياسية للحكومة والأغلبية البرلمانية التي صادقت على النص، خصوصاً أن هذه الأغلبية تضم، أو ضمت، عدداً من النواب والمستشارين الذين ينتمون مهنياً إلى المحاماة، ويدركون طبيعة المهنة وتقاليدها وأعرافها ودورها في حماية الحقوق والحريات.
ولا يمكن التنصل من المسؤولية بدعوى صدور القانون في الجريدة الرسمية، لأن الصدور والنشر لا يضفيان على قانون ذي مصدر تشريعي قدسية، ولا يجعلان النص بمنأى عن النقد والمطالبة بمراجعته.
ذلك أن المحاماة ليست مجرد نشاط مهني تنظمه مجموعة من القواعد التقنية، وإنما هي مهنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحق الدفاع، واستقلالها، وضمانات المحاكمة العادلة، وحماية حقوق المتقاضين. وأي تشريع يمس جوهر هذه المبادئ يستحق نقاشاً دستورياً وقانونياً ومهنياً عميقاً.
وتطرح مسألة الإحالة على المحكمة الدستورية بدورها سؤال المسؤولية المؤسساتية. فإذا ثبت وجود عيب شكلي أو مسطري في الإحالة، فإن الأمر لا يتعلق بمسألة تقنية هامشية، لأن احترام المساطر الدستورية جزء من احترام دولة القانون والمؤسسات.
والمسؤولية عن أي خلل في هذا المسار ينبغي أن تناقش في إطار الاختصاصات التي حددها الدستور لكل مؤسسة، دون الخلط بين المؤسسات أو تحميل المؤسسة الملكية مسؤولية خيارات تشريعية لم تكن هي مصدرها، كما هو ثابت من المقتضيات الدستورية.
ومن جهة أخرى، فإن ارتباط رئاسة مجلس النواب بالأغلبية البرلمانية لا يعني الخلط بين المؤسسات، لكنه يجعل من المشروع مساءلة الأغلبية البرلمانية سياسياً عن تدبيرها للمسار التشريعي، ومدى احترامها للقواعد الدستورية والمسطرية للقانون البرلماني.
لذلك، فمن الخطأ، كما جاء في كتابات البعض، ومنهم للاسف باحثون في القانون الدستوري، اعتبار نشر قانون المحاماة في الجريدة الرسمية نهاية لكل نقاش حوله. فالنشر يمنح القانون القوة التنفيذية وفق الشروط الدستورية، لكنه لا يمنحه حصانة من النقد، ولا قدسية تحول دون مناقشة دستوريته أو ملاءمته مع المبادئ الأساسية لمهنة المحاماة كما هي متعارف عليها أممياً.
والقوانين، قبل كل شيء، قواعد وضعية قابلة للمراجعة والتعديل، والديمقراطية التشريعية نفسها تفترض إمكانية تصحيح النصوص عندما تكشف الممارسة عن اختلالاتها، أو عندما يتبين تعارض بعض مقتضياتها مع الدستور أو مع المبادئ الأساسية للحقوق والحريات.
والأهم هنا هو أن المحاماة المغربية لم تؤسس فقط على القوانين المكتوبة، وإنما راكمت عبر تاريخها، منذ بدايات تنظيمها في قانون المسطرة المدنية لسنة 1913 وأول قانون للمحاماة بالمغرب سنة 1924، تقاليد وأعرافاً ومبادئ مهنية راسخة، في مقدمتها استقلال المحامي، والتضامن المهني، وحق الدفاع، والسر المهني، والعلاقة مع مكونات العدالة، والسلطة المعنوية للنقباء، وغيرها من المبادئ التي تشكل جزءاً من المتخيل الجمعي للمحاماة.
لهذا، لا ينبغي اختزال المحاماة داخل المجتمع والدولة الحديثة في مجرد مقتضيات تشريعية ظرفية.
وأقول لمن يكتب في هذا الموضوع بخلفية غير حقوقية او بخلفية خالف تعرف إن احترام القانون لا يعني تقديسه، واحترام المؤسسات لا يعني إعفاءها من المسؤولية. فكل مؤسسة تتحمل مسؤوليتها داخل الحدود التي رسمها لها الدستور.
فالملك يمارس اختصاصاته الدستورية، وهي هنا الإصدار والنشر وفق مقتضيات الفصل 50 من الدستور؛ والحكومة تتحمل مسؤوليتها عن مشروع القانون الذي قدمته؛ والبرلمان يتحمل مسؤوليته عن التشريع، أي النص الذي صادق عليه؛ والمحكمة الدستورية تتحمل مسؤوليتها عن القرار الذي أصدرته، وفق اختصاصها في مراقبة دستورية القوانين.
ومن هذا المنظور، فلا مجال لإضفاء القدسية على قانون المحاماة الجديد لمجرد صدوره ونشره في الجريدة الرسمية، كما لا ينبغي الخلط بين ظهير تنفيذ القانون في إطار الفصل 50 من الدستور وبين مصدر القانون نفسه، الذي تمثل في إعداد المشروع من طرف الحكومة الحالية والمصادقة عليه من طرف البرلمان، الذي له سلطة التشريع، وهما من يتحملان المسؤولية السياسية بخصوص مضمونه.
لذلك، فإن الحكومة وأغلبيتها، ومن يكتب في فلكها، ينبغي أن يعلم أن قوة دولة القانون لا تقاس بقدرتها على تمرير النصوص، وإنما بقدرتها على احترام الدستور، وتحديد المسؤوليات بدقة، ومراجعة وتصحيح ما قد يثبت عدم انسجامه مع الدستور أو مع المبادئ الأساسية للعدالة والحقوق والحريات.
فالديمقراطية التمثيلية تعني تعديل القوانين لفائدة المواطن والمجتمع، وليس لفائدة من يوجد مؤقتاً داخل مطبخ القانون.
فالقانون يُحترم لأنه قانون، لكنه لا يقدس؛ والمحاماة، مهما تغيرت النصوص المنظمة لها، تبقى محكومة بجوهر رسالتها وهي الدفاع عن الحقوق والحريات، واستقلال المهنة، وسيادة القانون المطابق للمبادئ الدستورية.