مجهر الصحراء : الصحافة والإعلام
المجلس الوطني للصحافة… فرصة أخيرة لإصلاح مؤسسة أنهكتها الحسابات الضيقة
#حسن_المولوع
العميد حسن المولوع
تابعت كما تابع كثير من الزملاء، النقاش الذي أعقب تشكيل اللجنة المؤقتة المحدثة بموجب المادة 96 من القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.. وكنت قد آثرت الصمت في البداية، ليس اقتناعا بأن كل شيء على ما يرام، وإنما حتى لا أُتهم بأنني أمارس النقد من أجل النقد، أو أنني أعارض أي مبادرة كيفما كانت..
في الحقيقة، كنت أقول بيني وبين نفسي إن أي مجلس قادم سيكون، على الأرجح، أفضل من التجربة السابقة التي تحولت، في نظر عدد كبير من الصحافيين، إلى عنوان للفشل والانقسام وتصفية الحسابات.. لقد ضاعت سنوات كان يفترض أن تُكرس للدفاع عن حرية الصحافة، فإذا بها تُستنزف في صناعة الخصومات، وإدارة اللوائح السوداء، ومعارك الإقصاء، حتى أصبح كثير من الصحافيين يشعرون بأن مؤسسة التنظيم الذاتي لم تعد بيتا للجميع، بل تحولت إلى فضاء يحتكره أشخاص بعينهم..
ولذلك، فإن النقاش الذي كنت أنتظره بعد تشكيل اللجنة المؤقتة لم يكن حول الأشخاص ولا حول الامتيازات، وإنما حول سؤال واحد: كيف نمنع تكرار الكارثة؟
لكن المؤسف أن بعض الأصوات انشغلت بقضايا هامشية، بينما تجاهلت الأسئلة الحقيقية.. فبدا واضحا أن جزءا من هذا الصراخ تحركه حسابات شخصية، وامتيازات ضاعت، وعداوات قديمة، أكثر مما تحركه مصلحة المهنة ومستقبلها..
الأكثر إثارة للاستغراب أن النقاش النقابي لم يتوقف طويلا عند الطريقة التي انتهت بها ولاية المجلس السابق.. فقد جرى تسليم السلط بين الرئيس السابق ورئيس اللجنة المؤقتة، وكأن الأمر يتعلق بمؤسسة لم تعرف أي اختلالات، وكأن التجربة كانت ناجحة ولا تستحق وقفة تقييم ومحاسبة.. فبدل ذلك، انصرف النقاش إلى تفاصيل تقنية مثل نمط الاقتراع، مع أن التجربة السابقة أظهرت، في رأي كثير من الصحافيين، محدودية نظام الاقتراع باللائحة، ولذلك لا يبدو غريبا أن يرحب عدد كبير منهم بالاقتراع الفردي باعتباره قد يحد من هيمنة اللوائح المغلقة والتحالفات الحزبية..
وكان الأولى، قبل طي صفحة المجلس السابق، أن تُعقد ندوة صحافية مفتوحة يُسأل فيها الرئيس وأعضاء المجلس عن حصيلتهم، وأن تُعرض أمام الرأي العام المهني التقارير الأدبية والمالية، وكشوف الصفقات، وكيفية صرف المال العام، وأسباب تعذر إجراء الانتخابات في موعدها، ولماذا انتهى الأمر بتعيين لجنة مؤقتة بدل الاحتكام إلى المساطر العادية.. فهذه الأمور ليست تصفية حسابات، وإنما هي أبسط قواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة…
وتتداول أوساط مهنية معطيات بشأن صفقة أو خدمات إعلامية أُبرمت خلال الأشهر الأخيرة من الولاية السابقة لفائدة إحدى الشركات الخاصة.. وإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإنها تستوجب توضيحات رسمية، لأن الصمت في مثل هذه الملفات لا يخدم أحدا، والطريق الوحيد لإغلاق باب الشائعات هو الكشف عن الحقيقة كاملة أمام الجسم الصحافي والرأي العام..
أما اللجنة المؤقتة نفسها، فلي عليها ملاحظات موضوعية.. فهي، في تقديري، لا تعكس التنوع الحقيقي للمشهد الإعلامي المغربي.. إذ كان من الطبيعي أن نجد تمثيلا واضحا للصحافة الإلكترونية، والصحافة المكتوبة، ووكالة المغرب العربي للأنباء، والإعلام السمعي البصري، بدل أن تبدو بعض التمثيليات أقرب إلى مؤسسات أو قطاعات موازية منها إلى الجسم الصحفي نفسه. فالتوازن داخل أي مؤسسة يبدأ من عدالة التمثيل، لأن من الصعب الحديث عن تنظيم ذاتي حقيقي إذا شعر جزء من المهنة بأنه خارج الصورة.
ورغم كل هذه الملاحظات، فإنني لا أنظر إلى اللجنة المؤقتة بمنطق الرفض، بل بمنطق الفرصة.. فالمهم اليوم ليس الدفاع عن الأشخاص، وإنما بناء مجلس وطني للصحافة يستعيد ثقة الصحافيين، ويعيد الاعتبار لمؤسسة التنظيم الذاتي بعد سنوات من الاحتقان..
المجلس المقبل يجب أن يكون مستقلا عن الأحزاب، لأن التجربة السابقة تركت لدى كثيرين انطباعا بأن بعض القوى الحزبية كانت صاحبة النفوذ الأكبر في توجيه قراراته، وهو ما أفقد المؤسسة جزءا كبيرا من مصداقيتها.. فالصحافيون لا يريدون مجلسا تابعا لهذا الحزب أو ذاك، بل يريدون مؤسسة تحمي المهنة، وتدافع عن حرية الصحافة، وتتعامل مع الجميع على قدم المساواة..
أما الرئيس المقبل، فلا يحتاج إلى لقب كبير ولا إلى تاريخ نقابي طويل، بقدر ما يحتاج إلى صفة واحدة: أن يكون رئيسا لجميع الصحافيين، لا رئيسا لفريق ضد آخر، وأن يغلق نهائيا صفحة الأحقاد والإقصاء وتصفية الحسابات..
لقد دفع الجسم الصحفي ثمنا باهظا بسبب الصراعات الشخصية، ولم يعد يملك ترف إضاعة سنوات أخرى.. فالمطلوب اليوم ليس تغيير الوجوه فقط، وإنما تغيير العقلية التي أدارت المؤسسة خلال المرحلة الماضية. فإما أن يكون المجلس الوطني للصحافة بيتا لكل الصحافيين، أو سيتحول مرة أخرى إلى أزمة جديدة تُضاف إلى الأزمات التي تعيشها المهنة..