مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديموقراطية والأمن
تضخم مؤسسات الاستشارة والحكامة والوساطة… حين تتكاثر المؤسسات ويتراجع الأثر
شهد المغرب خلال العقود الأخيرة توسعاً ملحوظاً في إحداث مؤسسات الحكامة والهيئات الاستشارية والوساطة، انسجاماً مع روح دستور 2011 الذي راهن على تعزيز الديمقراطية التشاركية، وحماية الحقوق، وتحسين جودة السياسات العمومية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل واكب هذا التضخم المؤسساتي أثراً ملموساً في حياة المواطنين وفي فعالية القرار العمومي؟ ولأن الجواب أو عدم الجواب يؤشران إلى مدى اعتبار هذه المؤسسات منجزا مؤسستيا وتفعيلا نوعيا للدستور يضاف إلى الحصيلة المفترضة !
لقد أصبح المشهد المؤسساتي غنياً بالمجالس والهيئات واللجان، التي تنتج تقارير ودراسات وتوصيات ذات قيمة معرفية معتبرة، لكن الجزء الأكبر منها يظل حبيس الرفوف، أو يتحول إلى مجرد رأي غير ملزم، في ظل غياب آليات فعالة لتتبع التنفيذ والمساءلة. وهكذا تتسع الهوة بين كثافة المؤسسات وضعف الأثر.
ولا يتعلق الأمر بنقد مبدأ الحكامة أو الوساطة أو الاستشارة في حد ذاته، بل بالتنبيه إلى خطر تحولها إلى بديل عن الإصلاح السياسي والإداري الحقيقي، أو إلى أدوات تمنح انطباعاً بوجود دينامية إصلاحية دون أن تنعكس نتائجها على جودة الخدمات العمومية، أو على التشغيل، أو التعليم، أو الصحة، أو العدالة المجالية.
والمفارقة أن المؤسسة الدستورية التي كان يمكن أن تشكل رافعة استراتيجية لهذا الورش، وهي المجلس الأعلى للأمن المنصوص عليه في الفصل 54 من الدستور، تفعيلا لأحد أقوى توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ، لم تتحول بعد إلى فضاء مؤسساتي فاعل بالقدر الذي تسمح به فلسفة الدستور. فهذا المجلس لا يقتصر دوره على تنسيق السياسات الأمنية، بل يمكن أن يشكل إطاراً للتوقع والاستباق والتقييم والتشاور الاستراتيجي، بما يعزز الحكامة الأمنية، ويرسخ الأمن القانوني والمؤسساتي، ويساهم في الحد من التعسف في استعمال السلطة أو القانون، من خلال تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وضمانات الحقوق والحريات. ولكن للأسف وبعد عقد ونيف لم يتم تنصيبه ؛ ومن هذه الزاوية، تبدو المفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تتكاثر فيه هيئات الحكامة والاستشارة ذات الأثر المحدود، يظل أحد أهم المؤسسات الدستورية المؤهلة لإنتاج حكامة أمنية فعالة في حاجة إلى تفعيل ينسجم مع الأدوار التي رسمها له الدستور.
إن الحكامة ليست عدداً أكبر من المؤسسات، وإنما قدرة أكبر على التنسيق والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن الاستشارة لا تكتسب قيمتها من كثرة التقارير، بل من مدى تحول توصياتها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً إذا استحضرنا أن المنجزات التي أبرزها الخطاب الملكي الأخير قُدمت بوصفها ثمرة لاستمرارية الدولة ورؤيتها الاستراتيجية، أكثر مما هي حصيلة لزمن حكومي أو برلماني محدد. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان المنجزات، وإنما في مدى شعور المواطن بأنه جزء من زمنها. فالحقيقة المرة أن فئات واسعة من المغاربة لا تزال تعيش خارج هذا الزمن الذي تتباهى به الدولة، أو لا تلمس انعكاساته المباشرة في حياتها اليومية. ولذلك، قد تتسارع وتيرة الإنجاز على مستوى المشاريع والمؤشرات الكلية، بينما يتباطأ أثرها الاجتماعي، فتتسع الفجوة بين زمن الدولة وزمن المجتمع، وبين النمو الاقتصادي والتنمية الإنسانية، ويتعمق في المقابل الخصاص في الثقة وتصاعد فوبيا اللايقين.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إنتاج المزيد من مؤسسات الحكامة، بل في حوكمة الحكامة نفسها، وتفعيل المؤسسات الدستورية القائمة، حتى لا تتحول إلى عبء مؤسساتي يستهلك الموارد والوقت، بينما يبقى المواطن بعيداً عن ثمار الإصلاح. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الإنجاز، بل أيضاً بقدرتها على تحويل ذلك الإنجاز إلى شعور جماعي بالإنصاف، والمواطنة، والثقة في المستقبل. .