مجهر الصحراء : كتاب الرأي
عوامل هجرة الشباب وعلاجها…
بقلم : د . عبدالكريم بكار .
كلما ارتفعت معدلات هجرة الشباب، اتجهت الأنظار إلى الرواتب، وغلاء المعيشة، وندرة فرص العمل. ولا شك أن هذه عوامل مؤثرة، لكنها لا تكفي لتفسير الظاهرة. فلو كان الفقر وحده سبب الهجرة، لهاجر جميع الفقراء، ولما بقي أحد في البلدان محدودة الدخل.
إن الهجرة تبدأ في الغالب عندما يفقد الشاب ثقته بأن المستقبل الذي يحلم به يمكن أن يتحقق في وطنه. فالمسألة ليست بحثًا عن راتب أعلى فحسب، وإنما بحث عن بيئة يشعر فيها أن جهده سيؤتي ثماره، وأن سنوات تعليمه لن تضيع هباءً.
ولا يكفي أن توجد فرص عمل؛ إذ قد يجد الشاب وظيفة، لكنه لا يجد مسارًا للنمو، أو عدالةً في الترقي، أو تقديرًا للكفاءة. وعندما تصبح العلاقات أقوى من الجدارة، والوساطة أقوى من الاستحقاق، يشعر كثير من الشباب أن سقف أحلامهم قد فُرض عليهم قبل أن يبدأوا حياتهم العملية.
ومن الأسباب كذلك غياب البيئة التي تحتضن المبادرات. فالشباب بطبيعتهم يميلون إلى الإنجاز والإبداع، لكنهم يحتاجون إلى مؤسسات تشجع الأفكار، وتحترم الاجتهاد، وتسمح بالتجربة والخطأ. أما حين تتحول البيروقراطية إلى عائق، وتُقابل المبادرات بالشك، فإن الطاقات تبحث عن مكان آخر تجد فيه فرصة للنمو.
وهناك عامل لا يقل أهمية، وهو الإحساس بالكرامة المهنية. فالإنسان يستطيع أن يبدأ براتب متواضع إذا شعر أن عمله محترم، وأن مستقبله يتقدم خطوة بعد أخرى. أما إذا اجتمع ضعف الدخل مع غياب التقدير، فإن العمل يتحول إلى وسيلة للبقاء لا إلى مشروع حياة.
ولا يمكن إغفال أثر الصورة التي يصنعها العالم الرقمي. فوسائل التواصل تنقل إلى الشباب نماذج من الحياة في دول أخرى، وتعرض قصص النجاح والهجرة والفرص، حتى يتكون لدى كثير منهم انطباع بأن المستقبل موجود دائمًا خارج الحدود. وقد تكون بعض هذه الصور حقيقية، وقد يكون بعضها مجتزأً أو مبالغًا فيه، لكنها تؤثر في تشكيل القرار.
ثم إن بعض المجتمعات وقعت في خطأ كبير؛ إذ تعاملت مع الشباب بوصفهم مشكلة تحتاج إلى الضبط، لا طاقة تحتاج إلى الاستثمار. ومع مرور الوقت، يشعر الشاب أنه مطالب بالعطاء، لكنه لا يجد من يثق بقدرته أو يفتح له الباب.
ومن هنا، فإن أخطر ما في هجرة الشباب ليس فقدان عدد من الأيدي العاملة، بل خسارة العقول التي استثمرت فيها الأسرة، وأنفقت عليها الدولة، ثم جاءت مجتمعات أخرى لتجني ثمار ذلك الاستثمار.
ولهذا، فإن معالجة الهجرة لا تبدأ بمنع الشباب من السفر، ولا بإلقاء اللوم عليهم، بل ببناء بيئة يشعرون فيها بالعدل، والأمان، والتقدير، وإمكانية التقدم. فالشباب لا يتعلقون بالأرض لمجرد أنها أرضهم، وإنما يتعلقون بها عندما يرون أن فيها مستقبلًا يستحق أن يُبنى.
فالأوطان التي تحافظ على شبابها ليست هي الأغنى دائمًا، بل هي التي تمنحهم سببًا مقنعًا للبقاء، وأملًا حقيقيًا يجعلهم يؤمنون أن الغد فيها أفضل من اليوم.