مجهر الصحراء : الأسرة
الأب… الرجل الذي لا نعرف قيمته إلا حين يغيب
بقلم : د. عبدالكريم بكار .
في زمانٍ كثرت فيه الأحاديث عن الحقوق، وقَلَّ فيه الحديث عن الواجبات، أصبح الأب عند بعض الناس مجرد شخص يوفِّر المال، فإذا قصَّر في النفقة عوتب، وإذا قام بواجبه عُدَّ ذلك أمرًا عاديًا لا يستحق الذكر.
لكن القرآن لم ينظر إلى الأب بهذه الصورة الضيقة، بل قدَّمه بوصفه ركنًا من أركان بناء الإنسان.
تأمل كيف حفظ القرآن كلمات الآباء لأبنائهم، ولم يحفظها عبثًا.
قال يعقوب عليه السلام لبنيه وهو على فراش الموت: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾. لم يكن أكبر همِّه الأموال التي سيتركها، ولا الأراضي التي سيورثها، بل كان يخشى على عقيدتهم بعد رحيله.
وقال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، ثم أخذ يبني شخصيته كلمةً كلمة، يعلمُه مراقبة الله، وإقامة الصلاة، والصبر، والتواضع، وحسن الخلق.
بل حتى إبراهيم عليه السلام، وهو خليل الرحمن، كان أكثر ما يشغل قلبه صلاح ذريته، فكان يدعو: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
إن القرآن حين يذكر الآباء، لا يذكرهم لأنهم أنجبوا أبناء، وإنما لأنهم حملوا رسالة.
واليوم، كم من أب يخرج قبل أن يستيقظ أولاده، ويعود بعد أن يناموا، يقضي عمره في السعي من أجلهم، بينما لا يعلم كثير منهم كم أخفى من هموم، وكم كتم من تعب، وكم تنازل عن أحلامه ليصنع لهم مستقبلًا أفضل.
هناك آباء لم يشتروا لأنفسهم ما اشتروا لأبنائهم.
ولبسوا القديم ليُلبسوا أبناءهم الجديد.
وصبروا على التعب حتى لا يشعر أولادهم بالحاجة.
وربما مات أحدهم قبل أن يسمع كلمة: جزاك الله خيرًا يا أبي. .
ولذلك قرن الله برَّ الوالدين بتوحيده، فقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ولم يخص الأم وحدها، مع عظيم حقها، بل جعل الإحسان للوالدين جميعًا، لأن لكل واحد منهما بابًا من أبواب الفضل لا يغني عنه الآخر.
وجاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال له: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد». فدلَّ ذلك على أن برَّ الوالدين من أعظم أبواب القربات عندما تتعلق بهما الحاجة.
إن الأب لا يحتاج إلى يومٍ عالمي حتى نتذكره، ولا إلى مناسبة حتى نعترف بفضله.
إنه يحتاج إلى ولد صالح، يبره في حياته، ويدعو له بعد مماته، ويعلم أن الرجل الذي كان يقف صامتًا في زاوية البيت… كان في الحقيقة يحمل البيت كله على كتفيه.
فإذا كان أبوك حيًا، فلا تؤجل كلمة الشكر، ولا تؤخر القبلة على رأسه، ولا تستكثر عليه دقيقة من وقتك.
وإن كان قد رحل، فلا تنسَ أن من أوفى البر به أن تكثر له من الدعاء والاستغفار والصدقة.
فالأب لا يطلب كثيرًا…
يكفيه أن يرى أثر تعبه في صلاح أبنائه، وأن يجد بعد موته من يرفع يديه إلى السماء ويقول:
اللهم اغفر لأبي، وارفع درجته في المهديين، واجعل ما قدمه لنا في ميزان حسناته.