بين هاجس الخوف وترسيخ الثقة: مقاربة استراتيجية
حول مسألة عودة اليهود المغاربة
إعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب.
يوم 22 أبريل 2026.
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعرفها العالم، يعود إلى الواجهة نقاش حساس يتصل بإمكانية عودة أعداد من اليهود ذوي الأصول المغربية إلى وطنهم الأصلي. وهو نقاش يتقاطع فيه التاريخ بالسياسة، والهوية بالقانون، والعاطفة بالعقل.
وبين خطاب يختزل الأمر في تهديد وجودي، وخطاب آخر يراه مجرد امتداد طبيعي لسيرورة تاريخية، تبرز الحاجة إلى مقاربة رصينة، تتجاوز الانفعال، وتؤسس على وعي حضاري عميق وثقة راسخة في الذات الوطنية.
*أولًا: الخوف… بين المشروعية والانزلاق إلى الوهم الجماعي :
لا يمكن إنكار أن الخوف، في أصله، إحساس إنساني مشروع، يعكس حرصًا على الأمن والاستقرار. غير أن هذا الخوف، إذا لم يُضبط بمنطق العقل والمعطيات الواقعية، قد يتحول إلى ما يشبه “بنية نفسية جماعية” تُنتج أوهامًا أكثر مما تعكس حقائق.
إن تصوير احتمال عودة فئة من المواطنين ذوي الأصول المغربية—مهما كان عددهم—على أنه مقدمة حتمية لاختلال التوازنات أو تهديد السيادة، يطرح سؤالًا جوهريًا:
*هل الخطر كامن في “الآخر”، أم في صورة الذات التي نحملها عن أنفسنا؟
إن أمة يتجاوز تعدادها أربعين مليون نسمة، وتستند إلى دولة بمؤسسات راسخة، وتاريخ يمتد لقرون من الاستمرارية السياسية، لا يمكن اختزالها في كيان هش قابل للاختراق الديموغرافي أو الهيمنة السريعة من طرف فئة لا تتعدى ملون نسمة.
وكل خطاب يوحي بعكس ذلك، ينطوي—بقصد أو بغير قصد—على تقويض للثقة الجماعية، وهو أخطر من أي تهديد خارجي مفترض.
فالخوف المشروع هو الذي يدفع إلى اليقظة والعمل، أما الخوف المتضخم فيؤدي إلى الشلل النفسي وسوء التقدير.
*ثانيًا: المغرب نموذج تاريخي للتعدد والتوازن الحضاري:
من الخطأ الفادح قراءة الحاضر بمعزل عن العمق التاريخي. فالمغرب لم يكن يومًا فضاءً أحاديًا مغلقًا، بل تشكّل عبر تفاعل مستمر بين مكونات متعددة، كان من بينها المكوّن اليهودي الذي لعب دورًا معتبرًا في بناء الاقتصاد والثقافة والدبلوماسية.

لقد عرفت المدن المغربية، من فاس إلى مراكش، ومن الصويرة إلى تطوان، والقرى المغربية من سوس الى درعة، أشكالًا من التعايش لم تكن قائمة على مجرد التسامح السلبي، بل على اندماج فعلي في النسيج المجتمعي.
وكان اليهود المغاربة:
* تجارًا يربطون المغرب بفضاءات دولية.
* صناعًا مهرة في الحرف التقليدية.
* وسطاء في العلاقات الدبلوماسية…
ولم يكن وجودهم يومًا عامل اختلال، بل عنصر توازن وإثراء.
إن استحضار هذا المعطى التاريخي لا يعني إسقاطه ميكانيكيًا على الحاضر، لكنه يذكّرنا بأن المجتمع المغربي يمتلك في بنيته العميقة قدرة على استيعاب التنوع دون أن يفقد تماسكه.
*ثالثًا: جوهر التهديد… حين يضعف الداخل:
التجارب التاريخية، القديمة والحديثة، تؤكد أن انهيار الدول لا يبدأ من حدودها، بل من داخلها.
فالضعف المؤسسي، والتراجع المعرفي، والهشاشة الاقتصادية، هي التي تفتح المجال لأي تأثير خارجي، مهما كان حجمه.
ومن هنا، فإن التركيز على “من يدخل” يظل أقل أهمية من السؤال الأعمق:
*ما مستوى جاهزيتنا نحن؟
إن عناصر القوة الحقيقية لأي أمة يمكن تلخيصها في ثلاث ركائز مترابطة :
*1. القوة القيمية والروحية:
وهي ليست مجرد شعارات دينية، بل منظومة أخلاقية تحكم السلوك العام، وتُعلي من قيمة العمل، والنزاهة، والمسؤولية. فالمجتمع الذي تحكمه القيم لا يُستلب بسهولة، ولا يمكن ان يكون عرضة لما وقع في جزيرة ابستين…
*2. القوة المعرفية والعلمية:
في عالم اليوم، لم يعد التفوق يُقاس بالجغرافيا ولا بعدد السكان، بل بامتلاك المعرفة. أمة تُنتج العلم وتُحسن توظيفه، تفرض احترامها وتحصّن استقلالها.
*3. القوة الاقتصادية والسيادية:
لا سيادة بدون استقلال اقتصادي. ومن لا يملك أدوات الإنتاج، يظل عرضة للتبعية، مهما كان خطابه السياسي قويًا.
وبالتالي، فإن بناء هذه الركائز هو الرد العملي على كل أشكال التخوف، بدل الانشغال بسيناريوهات افتراضية.
*رابعًا: منطق الدولة… الندية في إطار القانون:
إن الدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الانفعال، بل بمنطق المؤسسات والقانون.
وأي تعامل مع قضايا من هذا النوع—سواء تعلق بعودة أفراد أو استقرارهم—يجب أن يخضع لضوابط واضحة:
* احترام السيادة الوطنية
* الاحتكام إلى القانون
* مراعاة المصلحة العليا للبلاد
وفي هذا الإطار، لا يمكن القبول بأي تصور يقوم على الهيمنة أو “إعادة إنتاج علاقات تبعية” من قبيل “الخماسة”، فهذه مفاهيم تنتمي إلى سياقات تاريخية منقضية، ولا مكان لها في عالم اليوم.
*المقاربة السليمة هي مقاربة الندية:
أي التعامل مع الجميع على أساس المواطنة، والحقوق والواجبات، دون تهويل أو تمييز أو استسلام.
*خامسًا: الثقة بالذات… شرط النهضة وميزان التوازن:
إن أخطر ما قد تواجهه أمة ليس التهديدات الخارجية، بل اهتزاز صورتها عن نفسها.
حين تبدأ الشعوب في التقليل من قدراتها، تصبح مهيأة نفسيًا لتصديق أي سيناريو سلبي، مهما كان بعيدًا عن الواقع.
الثقة بالنفس ليست شعورًا عاطفيًا، بل هي:
* وعي بالقدرات
* إدراك للتحديات
* واستعداد دائم للتطوير
وهي أيضًا توازن دقيق بين الواقعية والطموح :
فلا إفراط في التفاؤل الساذج، ولا استسلام للتشاؤم المفرط.
إن المغرب، بما راكمه من استقرار سياسي وتراكم مؤسساتي، يمتلك من المقومات ما يؤهله للتعامل مع هذه القضايا بثقة واتزان.
*سادسًا: نحو خطاب وطني ناضج ومسؤول:
إن إدارة هذا النقاش تقتضي الارتقاء بمستوى الخطاب العمومي، ليكون:
* عقلانيًا لا انفعاليًا.
* تحليليًا لا شعاريًا.
* جامعًا لا مُفرّقًا.
فالقضايا المرتبطة بالهوية والسيادة لا تُعالج بالاختزال، ولا بالشحن العاطفي، بل برؤية استراتيجية تستحضر:
* التاريخ دون الارتهان له.
* الحاضر بكل تعقيداته.
* والمستقبل بما يفرضه من تحديات…
*خاتمة: قوة الأمم في توازنها لا في انغلاقها:
إن النقاش حول عودة اليهود المغاربة إلى وطنهم ليس مجرد مسألة ديموغرافية أو سياسية، بل هو اختبار لمدى نضجنا الجماعي، وقدرتنا على التمييز بين الخوف المشروع والخوف المُصطنع.
فالأمم القوية لا تخشى الانفتاح، لأنها تمتلك ما يكفي من الثقة والقدرة على حماية ذاتها.
أما الأمم التي ترتاب من كل تغيير، فهي في الغالب تعكس ضعفًا داخليًا أكثر مما تعبّر عن خطر خارجي.
وعليه، فإن الطريق الأمثل ليس في الاستعداد النفسي للأسوأ، بل في الاستعداد الواقعي للأفضل:
*بناء الإنسان، تقوية المؤسسات، وتعزيز السيادة بكل أبعادها.*
فمن يعرف نفسه جيدًا ويثق فيها… لا يخشى الآخر .