النقل الآمن والسلامة الطرقية مسؤولية مواطنة
اعداد: ذ.لشكر عبدالله رئيس جمعية السمارة للسلامة الطرقية.
* مقدمة
الطريق فضاء عمومي مشترك، وسلامته مرآة تعكس مستوى الوعي الجماعي وقيم المواطنة. وحوادث السير معظلة لم تعد مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل نزيف يومي يحصد الأرواح ويستنزف الاقتصاد ويهدم الأسر.
إن الحديث عن “النقل الآمن والسلامة الطرقية” لا يخص وزارة التجهيز والنقل أو الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية او طرف بعينه، بل هو مشروع مجتمعي يبدأ من سلوك الفرد وينتهي بسياسات الدولة. فالمواطنة الحقيقية تُقاس أيضاً باحترام إشارة المرور، وبربط حزام السلامة، وبمنح الأولوية للراجلين.
* تحليل واقعي للمشكلة :
رغم المجهودات المبذولة عبر الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية، لا تزال المؤشرات مقلقة :

1 – العامل البشري أولاً :
ما يعادل 90% من الحوادث سببها أخطاء بشرية :
السرعة المفرطة، السياقة تحت تأثير الكحول أو التعب، استعمال الهاتف أثناء القيادة، وعدم احترام الأسبقية، كلها سلوكيات تحول السيارة من وسيلة نقل إلى أداة قتل.
2 – هشاشة البنية التحتية :
* طرق مهترئة ،
* غياب التشوير الأفقي والعمودي في محاور قروية كثيرة ،
* غياب ممرات خاصة بالدراجات والراجلين ،
* نقاط سوداء معروفة تتكرر فيها الحوادث دون معالجة جذرية.
3 – إشكالية النقل المزدوج والمهني :
الملاحظ أن جزء من أسطول النقل العمومي والبضائع متقادم ، والسائقون المهنيون يشتغلون أحياناً لساعات طويلة دون راحة كافية بسبب ضغط التنافسية، مما يرفع من نسب الحوادث المميتة.
4 – ضعف ثقافة السلامة الطرقية :
التربية على السلامة الطرقية شبه موجودة ، بحيث لا نزال نتعامل مع قانون السير كـ”عقوبة يجب تفاديها” وليس كـ”عقد اجتماعي لحماية الأرواح”.كما أن التربية الطرقية في المدارس موسمية، والحملات التحسيسية لا تصل لكل الفئات، خاصة في العالم القروي.
5 – الفئات الأكثر هشاشة :
يعتبر الراجلون ومستعملوا الدراجات النارية، والأطفال فئات عديمة الحماية ، فهم أكثر ضحايا الطريق. والخطر يتضاعف بغياب أرصفة آمنة وممرات محروسة أمام المدارس .
* حلول : من الردع إلى المواطنة :
ولكي نتجاوز المشكلة يتطلب منا مقاربة شاملة تجمع بين ما هو قانوني وهندسي وتربوي وتكنولوجي :
1 – على مستوى الحكامة والتشريع :
– تفعيل صارم لمدونة السير مع مراجعة دورية للعقوبات، وتشديدها ضد المخالفات القاتلة كالسياقة في حالة سكر أو استعمال الهاتف.
– تعميم المراقبة الآلية بالرادارات الذكية، وربطها بقواعد بيانات لتفادي الإفلات من العقاب.
– فرض الصيانة التقنية الدورية والحقيقية للمركبات، خاصة حافلات النقل وشاحنات البضائع.
2 – على مستوى البنية التحتية :
– إصلاح “النقاط السوداء” بشكل استعجالي وفق معايير هندسية.
– إدماج مفهوم “الطريق الآمن” في كل المشاريع الجديدة:
أرصفة عريضة، ممرات راجلين مضيئة، مسارات للدراجات، وتشوير واضح.
– صيانة دورية للتشوير الأفقي الذي يختفي مع أول موسم أمطار.
3 – على مستوى التربية والتوعية :
– جعل التربية الطرقية مادة أساسية ومستمرة في المقررات الدراسية من الابتدائي، مبنية على المحاكاة والتطبيق.
– إطلاق حملات تواصلية ذكية تستهدف الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بخطاب يربط السلامة الطرقية بقيم المواطنة والرجولة والمسؤولية.
– إشراك المجتمع المدني والمساجد والمؤثرين في نشر ثقافة “الطريق ملك للجميع”.
4 – على مستوى دور المواطن :
– المواطن هو الحلقة الأهم. ربط حزام السلامة، احترام السرعة، عدم السياقة عند التعب، منح الأولوية، والتبليغ عن المخاطر في الطريق، كلها أفعال مواطِنة.
– “السائق المواطن” هو من يعتبر سلامة غيره جزءاً من سلامته الشخصية، ويرفض أن يكون شاهد زور على مخالفة قد تقتل.
*خاتمة :
السلامة الطرقية ليست ترفاً، بل حق من حقوق الإنسان وواجب من واجبات المواطنة. كل درهم يُستثمر في طريق آمن أو حملة توعوية، هو استثمار في إنقاذ أرواح وفي اقتصاد البلاد. القوانين والرادارات ضرورية، لكنها لن تعوض الضمير. عندما يتحول احترام قانون السير من خوف من الغرامة إلى قناعة ذاتية، آنذاك فقط سنكون قد دخلنا فعلاً مرحلة “النقل الآمن”. الطريق لا يرحم، لكننا نحن من نصنع الرحمة فيه بسلوكنا. فلنجعل من كل رحلة التزاماً أخلاقياً : أن نصل ونُوصل الآخرين بأمان.