السياسة بين أخلاق “الفضل” ومزالق “الاستغلال”:
بقلم : د. اعلي سالم هبد .
في الميادين السياسية، حيث تتصارع المصالح وتتباين الرؤى، يبرز التحدي الأكبر: كيف نختلف دون أن نفجر؟ وكيف ننافس دون أن نجحد؟ إن استحضار مبدأ “الفضل” ليس ترفاً مثالياً، بل هو ضرورة واقعية لضمان استمرارية العمل المؤسسي والتعايش السلمي.
أولاً : “الفضل” كصمام أمان للاستقرار السياسي
السياسة ليست مجرد نصوص قانونية جافة، بل هي “ثقة” متبادلة.
الاعتراف بالمنجز: من تمام الفضل في السياسة أن يعترف السياسي بمنجزات خصمه أو سلفه، بدلاً من محاولة محوها بالكامل لتلميع الذات.
التسامي في لحظات الانتقال: عند تغير موازين القوى أو تبدل المواقع (من معارضة إلى أغلبية أو العكس)، يبرز “الفضل” في كفالة الحقوق، وحفظ كرامة الشركاء السابقين، وعدم تحويل الاختلاف السياسي إلى تصفية حسابات شخصية.
ثانياً : خطر “المستغل” في الفضاء العام
أخطر ما يواجه الفعل السياسي هو تسلل الشخصية الانتهازية التي تنظر إلى “نبل الآخرين” كضعف يمكن توظيفه.
استنزاف الرصيد الأخلاقي: عندما يستغل السياسي تسامح المجتمع أو مرونة خصومه ليحقق مكاسب حزبية ضيقة أو منافع شخصية، فإنه يكسر “عقد الثقة”. هذا الاستغلال يؤدي إلى كفر الناس بالعمل السياسي برمته واللجوء إلى العدمية.
بناء الأمجاد على أنقاض التضحيات: هناك من يتقن القفز على جهود “الفضلاء” الذين ضحوا وبنوا بصمت، ليسلب ثمار عملهم وينسبها لنفسه في مشهد يجسد أبشع صور نسيان الفضل.
ثالثاً : تحويل “الفضل” إلى ثقافة مؤسسية
إن حماية المجتمع من “المستغلين” تتطلب تحويل “الفضل” من مجرد شعور قلبي إلى سلوك سياسي ملموس:
السياسة الأخلاقية: تبني خطاب يحترم الخصوم ويقدر تاريخهم الوطني، بعيداً عن لغة التخوين أو الإقصاء.
الوفاء للعهد الاجتماعي: الحفاظ على المكتسبات التي حققتها الأجيال السابقة، واعتبار العمل السياسي تراكمياً وليس هدماً مستمراً.
تفعيل الرقابة الأخلاقية: أن يلفظ المجتمع السياسي كل من يثبت استغلاله للقيم أو للناس كجسور للوصول، وتكريمه للنماذج التي تتعامل بمبدأ “المروءة السياسية”.
خاتمة :
إن السياسي الحقيقي هو من يدرك أن “المكسب الدنيوي” (سلطة أو منصباً) يزول، ولكن “الأثر والفضل” يبقى محفوراً في ذاكرة الشعوب. إن الدولة التي ينسى ساستها الفضل فيما بينهم، ويتحينون الفرص لاستغلال بعضهم البعض، هي دولة هشة من الداخل. أما تلك التي تجعل من “وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ” دستوراً غير مكتوب، فهي التي تنجو في الأزمات وتزدهر في الرخاء.
السياسة بلا أخلاق هي غابة من الاستغلال، والسياسة بالفضل هي بناء للحضارة.