في رحاب الأسماء الحسنى : الله.. البصير
اعداد : د.عبدالكريم بكار
لماذا يحرص كثيرٌ من الناس على تهذيب كلماتهم وتصحيح أفعالهم حين يعلمون أن كاميرا مراقبة ترصدهم، أو أن عيناً بشرية تتابع حركاتهم؟
ولماذا —في المقابل— يضعف هذا الحرص عند بعضهم حين تُغلق الأبواب، فيظنون أنهم خرجوا من دائرة الملاحظة؟
إن هذه المفارقة تكشف عن مشكلة عميقة في حياة الإنسان؛ فالقضية ليست نقصاً في المعرفة، بل ضعفٌ في استحضار الحقيقة الكبرى: أن هناك ربّاً يرى ولا يغيب عن بصره شيء.
ولهذا يحتاج الإنسان من حين إلى آخر أن يعيد ترتيب ميزانه الداخلي؛ ليضبط سلوكه في الجلوة والخلوة على حدّ سواء.
ومن هنا نقف مع اسمٍ عظيم من أسماء الله الحسنى، وهو الله البصير.
وحين يتأمل المؤمن هذا الاسم الجليل يدرك أن أثره لا يقف عند حدود المعرفة، بل يمتد ليعيد تشكيل سلوكه ونظرته إلى نفسه وأعماله.
ويتجلى ذلك في ثلاثة أبعاد رئيسة:
1. بصرٌ لا تحده الحواجز (كمال الإحاطة)
إن من أعظم ما يحرر الإنسان من أوهام الغفلة أن يدرك أن الله سبحانه بصير لا تحجبه الحواجز ولا تمنعه المسافات؛ فلا الجدران تستر، ولا الظلمات تخفي، ولا يشغله شأن عن شأن.
والإيمان بهذا المعنى ينقل الإنسان من الخوف من الفضيحة أمام الناس إلى الحياء من نظر الله إليه.
وهنا يتغير مركز الاهتمام في حياة الإنسان؛ فلا يعود همه أن يبدو صالحاً أمام الناس، بل أن يكون صالحاً في حقيقة أمره، مستحيياً أن يراه ربه على حال لا يرضاها.
2. البصير الخبير بالنيات وبواعث العمل
ولا يقتصر معنى اسم الله البصير على رؤية الظواهر والصور، بل يتجاوز ذلك إلى العلم بما تخفيه القلوب من نيات ودوافع.
فالله سبحانه يبصر ظاهر العمل، ويبصر كذلك ما يقف خلفه من مقاصد وبواعث.
ومن ثمرات هذا الفهم أن ينشغل الإنسان بتجميل باطنه بقدر ما يهتم بتجميل ظاهره؛ لأن حقيقة العمل عند الله لا تقاس بمظهره فقط، بل بما يحمله القلب من صدق وإخلاص.
وهنا يتعلم المؤمن أن الطريق إلى رضا الله لا يكون بالمظاهر وحدها، بل بسلامة القصد وصفاء النية.
3. مدرسة الإحسان (الرقابة الذاتية)
والثمرة التربوية الكبرى لهذا الاسم هي الانتقال من الرقابة الخارجية الهشة إلى الرقابة الداخلية الراسخة.
فحين يرسخ في قلب الإنسان أن الله يراه في كل أحواله، يتحول هذا اليقين إلى قوة تدفعه إلى الإتقان في العمل، والأمانة في المسؤولية، والسمو في الأخلاق.
وهذا هو مقام الإحسان الذي بيّنه النبي ﷺ حين قال:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
إن بلوغ هذا المقام يجعل الإنسان صالحاً في حضرة الناس كما هو صالح في خلوته؛ لأن الرقيب الحقيقي في نظره هو الله.
ختاماً..
إن اسم الله البصير ليس مجرد تذكير بالمراقبة، بل هو أيضاً رسالة طمأنينة.
فهو أمان لكل من يعمل بصمت،
ولكل من يُظلم في الخفاء،
ولكل من يجاهد نفسه بعيداً عن الأضواء.
فلا يضيع عند الله عمل خفي، ولا دمعة صادقة، ولا جهد بذلته في صمت.
وكفى بالمؤمن طمأنينة أن يعلم أن ربه إليه بصير، وبعمله خبير.