في رحاب الأسماء الحسنى : الخافض الرافع
اعداد د. عبدالكريم بكار.
لماذا يرفع الله أقواماً من ركام الاستضعاف، ويخسف بقوىً ظننتَ أنها لا تزول؟ وكيف يحمينا الإيمان بـ (الخافض، الرافع) من الانكسار في أوقات الشدائد؟
تأملات في سنن السقوط والنهوض، وبناء الوعي النفسي والتاريخي من خلال الأسماء الحسنى.. إليكم التفاصيل.
ضمن سلسلة: في رحاب الأسماء الحسنى
اسم الله (الخافض، الرافع).. جدلية السقوط والنهوض
حين نُمعن النظر في حركة التاريخ وتقلبات أحوال البشر، ندرك أن خلف هذا المشهد المعقد سنناً إلهية لا تتبدل، وتتجلى هذه السنن بأبهى صورها في اسمي الله (الخافض) و(الرافع).
ومما يلفت الانتباه في فقه الأسماء الحسنى، كما يقرر أهل العلم، أن هذين الاسمين الجليلين يقترنان معاً؛ فلا يُفرد أحدهما عن الآخر في الذكر والدعاء؛ لأن الكمال المطلق يتجلى في اجتماعهما، فالمقادير بين خفضٍ ورفع، والكون كله يدور في فلك هذه الإرادة.
إذا أردنا أن نقترب من المعاني العميقة لهذين الاسمين، بعيداً عن التلقين المجرد، وبما يلامس وعينا وحياتنا المعاصرة، يمكننا استخلاص الآتي:
أولاً: مقاييس الرفعة والسقوط
إن موازين الله تختلف جذرياً عن موازين البشر الظاهرية. فالله سبحانه (الرافع) يرفع أقواماً تسلحوا بالعلم والإيمان، وأضاؤوا دروبهم بالطاعة، فيعلي مراتبهم وينصرهم، ويجعل العاقبة لهم مهما طال الزمن. وفي المقابل، هو (الخافض) الذي يكسر شوكة الجبارين، ويُذل الفراعنة المتكبرين الذين اغتروا بقوتهم. إن الرفعة الحقيقية لا تُنال إلا بمدد منه، والسقوط المدوي هو النتيجة الحتمية لمن تخلى الله عنه.
ثانياً: تداول الأيام وسنن الاجتماع البشري
لو تأملنا في صراعات الأمم وما نشهده من مآسٍ وحروب تُبدل ملامح الأوطان، لأدركنا سرّ (الخافض الرافع) في تداول الأيام. فالله سبحانه يداول السلطة والقوة بين عباده؛ فيخفض أقواماً ويذهب بعزهم، ويرفع آخرين من ركام الاستضعاف ليورثهم الأرض. إن هذه التقلبات القاسية والمفاجئة هي التي تُنضج وعي الإنسان، وتجعله يبصر حقائق الحياة، مدركاً أن الأمان الوحيد يكمن في التعلق بمن بيده مقاليد الرفع والخفض.
ثالثاً: حكمة “الميزان” وتدبير المقادير
يقف المتأمل طويلاً عند الحديث النبوي العظيم: “يخفض القسط ويرفعه”، والقسط هنا هو (الميزان). إن هذا التصوير البديع يختزل تصرف الخالق سبحانه في ملكه؛ فهو الذي يرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه، ويخفض أرزاقهم النازلة منه، في تداول مستمر لا يعتريه غفلة ولا نوم. إنه تدبير “الخافض الرافع” الذي يوسع الرزق لمن يشاء ويقتره على من يشاء بحكمة بالغة، ويحكم بين خلقه بميزان العدل المطلق. هذا اليقين يحرر الإنسان من الارتهان للأسباب الأرضية، ويمنحه ثباتاً أمام تقلبات العطاء والحرمان.
خلاصة القول:
إن الإيمان باسمي الله (الخافض الرافع) يغرس في قلب المؤمن توازناً نفسياً فريداً؛ فلا يطغى إن ارتفع مكانه، لعلمه أن الذي رفعه قادر على خفضه، ولا ييأس إن حاصرته الشدائد أو ضاقت به السبل، ليقينه المطلق بأن المتصرف في شؤون الكون قادر على انتشاله ورفع قدره في الدنيا والآخرة.