في رحاب الأسماء الحسنى : الله… القهار
اعداد : د. عبدالكريم بكار .
بعد أن عشنا في ظلال اسم الله الغفار، حيث الرجاء والستر وسعة المغفرة، نقف اليوم أمام اسمٍ يورث القلب مهابةً وخضوعًا، ويضع النفس في موضعها الصحيح:
إنه اسم الله القهار.
قال تعالى:
﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾
معنى القهار :
القهار هو الغالب الذي لا يُغلب، والقاهر الذي دانت له الخليقة كلها، وخضعت لسلطانه طوعًا وكرهًا. وقهر الله ليس ظلمًا ولا بطشًا مجردًا، بل هو قهرٌ قائم على كمال القدرة، وتمام الحكمة، وشمول الملك.
وهو سبحانه يقهر الجبابرة بالموت، ويقهر الخلائق بالحاجة، ويقهر الأكوان بأمره الذي لا يخرج عنه شيء. فما من حركةٍ ولا سكونٍ إلا داخلة في ملكه وتدبيره.
وقهره نوعان:
– قهر عام كوني، يشمل جميع المخلوقات، فلا يخرج أحد عن سلطانه.
– وقهر خاص يظهر في نصر أوليائه، وإذلال من شاء من أعدائه، وفق حكمته وعدله.
القهار… وتحرير القلب من الخوف
الإيمان بأن الله هو القهار يحرر الإنسان من الخوف المرضي من المخلوقين. فمهما عظمت قوة بشر، أو تضخمت سلطة، أو اشتدت شوكة، فإنها قوة محدودة، عارية مستعارة، لا تقوم بنفسها ولا تدوم.
﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾
حين يستقر هذا المعنى في القلب، تتبدل الموازين:
لا رهبة إلا من الله، ولا تعظيم مطلق إلا له، ولا انكسار إلا بين يديه.
رمضان… تدريب على قهر النفس
إذا كان الله هو القهار في ملكه، فإن العبد يتعبد له بقهر ما أمر بقهره: هوى النفس.
قال تعالى:
﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾
الصوم مدرسة عملية لهذا المعنى. يمتنع المرء عن المباح وهو قادر عليه، استجابةً لأمر الله، فيتعلم أن سيادة الروح على الجسد أصل في تزكية النفس.
من لم يملك نفسه عند شهوته، ملكته الظروف عند شدته.
ومن استسلم لأمر الله طوعًا، أعانه الله على الثبات عند الابتلاء.
الأثر التربوي لاسم القهار
1- كسر الغرور
كل قوة يملكها الإنسان مؤقتة، وكل مكانة قابلة للزوال.
استحضار اسم القهار يعيد للنفس تواضعها، ويذكّرها بأن فوق كل ذي قوةٍ قوةً، وأن الملك الحقيقي لله وحده.
2- الطمأنينة في زمن الاضطراب
عند اشتداد الأحداث وتقلب الموازين، قد يظن الناس أن الأمور خرجت عن السيطرة. لكن المؤمن يعلم أن الأمر كله لله، وأن ما يجري إنما يجري بعلمه وتقديره، وأن الغلبة النهائية لما أراد سبحانه.
هذا اليقين لا يصنع سلبية، بل يصنع ثباتًا ووعيًا وعملًا منضبطًا بلا فزع.
3- التوازن بين الجلال والجمال
المؤمن يعيش بين جلال القهار وجمال الغفار. فالغفار يفتح باب الرجاء، والقهار يغلق باب التهاون والاستخفاف. بهذا التوازن تستقيم الشخصية: لا قنوط ولا أمن، بل خوفٌ يدفع إلى الطاعة، ورجاءٌ يمنع من اليأس.
خلاصة المعنى
اسم الله القهار دعوة إلى خضوع واعٍ، لا استسلام سلبي. هو تحرير للنفس من عبودية البشر، وردّ لها إلى عبودية الله وحده.
وهو تذكير دائم بأن السيادة الحقيقية تبدأ من الداخل: من قهر الهوى، وضبط الشهوة، والانقياد للحق.
﴿وهو الواحد القهار﴾
فمن عرف قهر الله، خضع له اختيارًا، فعاش عزيز النفس، مطمئن القلب.