لماذا يشعر أبناؤنا ب”الوحشة ” في بيوتنا.. ؟
د.عبدالكريم بكار.
أكتبُ إليكم اليوم وفي قلبي غصّةٌ على مشهدٍ يتكرر في معظم بيوتنا: عائلةٌ تجتمعُ حول مائدةٍ واحدة، لكنَّ أرواحهم مشتتة في قاراتٍ رقمية بعيدة. نحن نعيشُ اليوم حالة (الانفصال المتصل)؛ حيث يملكُ الفردُ منا آلاف “الأصدقاء” الافتراضيين، بينما يعجزُ عن بناء جسرِ حوارٍ واحد مع ابنه الذي يجلسُ خلف الجدار.
سأكاشفكم بحقيقةٍ قاسية: نحنُ اليوم نُتقنُ “إدارة العقارات” وفشلنا في “إدارة العلاقات”. لقد انزلقنا نحو (التربية التقنية) التي تهتم بتوفير أفضل الأجهزة، وأهملنا (التربية الروحية) التي تمنحُ الأمان النفسي.
إليكم 4 محطاتٍ فكرية، تفسرُ لماذا يشعرُ أبناؤنا بـ “الوحشة” رغم الضجيج حولهم:
1. المحطة الأولى – “سرقة المعنى” بضجيج التفاهة:
أخطر ما يواجهنا ليس “الأفكار المنحرفة” فحسب، بل هو (تسطيح الوعي). لقد أصبح “التريند” هو المربي الأول، وصار الشابُ يستمدُ قيمه من أشخاصٍ لا يملكون من الحياة إلا “بريق اللحظة”.
المفارقة المذهلة أنَّ كثرة (الخيارات) أدت إلى (حيرةٍ) قاتلة؛ الشابُ اليوم يرى “كل شيء” متاحاً، فيفقدُ “قيمة الشيء”. حين يغيبُ “المعنى” عن حياة الإنسان، يتحولُ إلى كائنٍ استهلاكي يلهثُ خلف إشباعٍ لحظي لا يروي ظمأ روحه. البيتُ الذي لا يُناقش فيه “لماذا نعيش؟” و”ما هو أثرنا؟” هو بيتٌ يُخرّجُ (تائهين) وإن ملكوا أعلى الشهادات.
2. المحطة الثانية – “السيادة الرقمية” واختطاف الأبوة:
قديماً كان الأبُ هو (المصدر الأعلى) للمعلومة والقيمة، واليوم صار “الخوارزمي” هو الذي يقرر لابنك ماذا يحب وبماذا يفكر. لقد تنازلنا عن (سلطة الحضور) لصالح (سلطة الشاشة).
إنَّ جلوس الأب مع هاتفه في الصالة هو “رسالة صامتة” للابن بأنَّ ما في هذا الجهاز أهمُّ منك. نحنُ لا نضيع أوقاتنا فحسب، بل نهدمُ “هيبة القدوة”. السيادة داخل البيت لا تُستردُ بكلمة “اترك الهاتف”، بل بأن تكون أنت “النموذج” الذي يجدُ في القراءة والحوار متعةً تفوق متعة التصفح العبثي.
3. المحطة الثالثة – “التزييف العاطفي” وعقدة المقارنة:
نحنُ نعيشُ في زمن (المظاهر المستأجرة). الشابُ يرى عبر نافذة هاتفه حياة الآخرين “المثالية”، فيشعرُ أنَّ حياته “باهتة”. هذا الشعور بالدونية يولدُ (نقمةً) على الوالدين وعلى الواقع.
الحقيقة التي يجب أن نغرسها فيهم: أنَّ ما يظهر على الشاشات هو “منتجٌ تسويقي” وليس “واقعاً بشرياً”. إنَّ أعظم استثمارٍ اليوم هو تربية الأبناء على (الذكاء المسافاتي) بين ما هو حقيقي وما هو مزيف؛ ليعرفوا أنَّ السعادة تُصنع في “مختبر الرضا” الداخلي، لا في “ساحات العرض” الخارجية.
4. المحطة الرابعة – “فقه الاستغناء” في زمن الوفرة:
المعضلة الكبرى أننا نربي أبناءنا على (ثقافة الأخذ) ونسينا (ثقافة الاستحقاق). إنَّ توفر كل شيء دون تعب يخلقُ نفوساً (هشةً ائتمانياً)؛ تظن أنَّ العالم مدينٌ لها بكل شيء.
لقد كشفت دراسات “النمو النفسي” أنَّ الشخصيات القيادية لم تُصنع في “فنادق الرفاهية”، بل صُقلت في “ميادين الشدائد”. إنَّ الطفل الذي لا يتعلم كيف يقول “لا” لشهوته، سيقول له المجتمع “لا” في كل محطات فشله. نحنُ بحاجة إلى إعادة الاعتبار لـ (الحرمان المربي) الذي يصنعُ رجالاً يعرفون قيمة النعمة.
الخلاصة:
استردوا بيوتكم من سطوة الغرباء الرقميين. اجعلوا من بيوتكم “محاضن للوعي” لا مجرد “فنادق للنوم”. علموهم أنَّ القوة ليست في (سرعة الاتصال بالإنترنت)، بل في (عمق الاتصال بالخالق وبناء الذات).
بادر اليوم بكسر الصمت في بيتك بحوارٍ عميق، فالمباني تُبنى بالحجر، أما “الإنسان” فيُبنى بالحب الصادق والقدوة الواضحة.
إذا وجدت في هذا الكلام ملامساً لواقعنا، فشاركه لعلنا نوقظ عقولاً غفلت تحت سحر الشاشات.