كيفية بناء ” طالب العلم ” للدكتور عبدالكريم بكار.
بناءً على رحلة مديدة في القراءة والكتابة، وخبرة تراكمت عبر عقود من البحث، تبلورت لديّ رؤية شخصية حول كيفية بناء “طالب العلم” لنفسه في هذا العصر. وهي رؤية – كشأن كل جهد بشري – تمثل وجهة نظر قد تصيب وقد تخطئ، لكنها خلاصة ما رأيته مجدياً ونافعاً.
إنني أنصح طالب العلم أن يقسم أوقاته إلى ثلاثة أقسام متوازنة:
1. القسم الأول: علوم الشريعة (20%): يُخصص هذا الجزء لتأصيل النفس شرعياً، وضبط المنطلقات والقيم التي تحكم رؤية الإنسان للكون والحياة.
2. القسم الثاني: المعرفة والثقافة العامة (20% – 25%): وهي مساحة “القراءة الحرة” من قصص وروايات ومعارف شتى؛ تمنح العقل مرونةً واتساعاً، وتجعل المرء مدركاً لما يدور حوله، لكنها تظل في إطار “الثقافة العامة”.
3. القسم الثالث: التخصص الدقيق (الباقي من الوقت): وهو الجزء الأهم الذي ينبغي أن يُخصص لتخصص واحد أو تخصصين متلاحمين. إن التقدم الحضاري والمعرفي مَدينٌ إدانة لا حدود لها لأولئك الأكاديميين والمتخصصين الذين يعملون في صمت في مراكز البحوث والجامعات.
لماذا التركيز على التخصص؟ إن القراءة في كل شيء تُنتج “مثقفاً عاماً” يملك من كل بستان زهرة، لكنه يظل غير واثق بمعلوماته لأنها غير محققة ولا مدققة ولا مقارنة. التميز الحقيقي يتطلب التركيز على علمٍ واحد لسنوات طويلة (ربما 15 عاماً) حتى يصبح الإنسان فيه “مرجعاً وحجة”، ويكون لقوله اعتبار وتأثير لأنه قول ناضج.
إن “المقارنة هي أم العلوم”؛ وحين يغوص الإنسان في تخصص معين، يقرأ القضية من وجهات نظر متعددة، ويقارن بينها، هنا فقط يستطيع القول بثقة أن هذا الرأي هو الصواب لأن أدلته كذا وكذا.
مرونة المسار: لا بأس إن استنفد المرء تخصصه أو أخطأ في اختياره أن ينتقل لغيره، والمهم أن يكون التخصص الجديد في نفس الاتجاه ليحافظ على تراكم الخبرة.
في النهاية؛ من أراد أن يترك أثراً حقيقياً في عالم العلم، فعليه بالتركيز؛ فالتشتت هو ضريبة النجاح الضائعة.