في المعركة ضد المحاماة
ذ. المحامية أمينة ماء العينين
السؤال الكبير الذي يطرح نفسه اليوم:
ما وجه الاستعجال الذي يجعل الحكومة ووزيرها في العدل مصرة على تمرير القانون المنظم لمهنة المحاماة ضد المحاماة وضد المحامين والمحاميات ؟
الحكومة في آخر دورة تشريعية وهي تقترب من مرحلة تصريف الأعمال، عالم متوتر يشي بتحولات لا يعلم إلا الله ما ستفضي إليه، الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية يدخل مراحل دقيقة وحساسة، فيضانات وظروف صعبة لساكنة المناطق المتضررة، تعبئة مؤسسات الدولة وتضامن الشعب، رمضان على الأبواب مع أسئلة تموين السوق، رئيس حكومة يعلن انسحابه من انتخابات وشيكة… مع كل ما ذُكِر لا تجد الحكومة شغلا يشغلها غير إشعال فتيل الاحتقان في المحاكم وإعلان الحرب على الدفاع وشيطنة المحامين والتشريع لمهنتهم بدون رضاهم بمنطق الإجبار والإخضاع وفرض الأمر الواقع بالاستقواء بأغلبية عددية للتصويت
يعلم الصغار قبل الكبار أن تكرار الدعوة لتقديم التعديلات على المشروع للبرلمان لا يعدو أن يكون استمرارا في التضليل والتلاعب، لأن البرلمان لا يُمرر تعديلا واحداً ولو كان فاصلة أو نقطة مضافة في فقرة، إلا إذا أعلنت الحكومة موافقتها على التعديل، سواء أتقدمت به المعارضة أو الأغلبية، وقد ابتلينا بحكومة لا تتقن غير جملة واحدة غير مفيدة وبدون تعليل : “الحكومة ترفض التعديل” وهي جملة يتلفظ بها الوزراء بغير قليل من العنجهية والتهكم، لأنهم يعلمون أنهم أصحاب الكلمة الفصل في التشريع، لذلك لا داعي لاستغباء المحامين ومخاطبتهم بالتوجه للبرلمان لتقديم تعديلاتهم التي رفضتها الحكومة، لأن المحامين ليسوا سُذجا وليسوا بعيدين عن الممارسة السياسية والتشريعية
هل تشعر وزارة العدل بالفراغ بعد استقلال النيابة العامة عنها وإفراغها من معظم الاختصاصات، حتى صارت تبحث عن وصاية على المهن المستقلة وعلى رأسها المحاماة؟ لماذا اتسمت الحكومات ووزارة العدل بالكثير من المرونة والحماس لتكريس استقلال السلطة القضائية بل واستقلال النيابة العامة التي يشير الدستور لوجود سلطة تتبع لها، ثم شربت لبن السباع ضد استقلالية مهنة مستقلة في ماهيتها الأصلية، وهو ما يضمنه لها الدستور والمبادئ الأممية وكل القوانين المقارنة عربية وإفريقية وغربية؟
لماذا كل هذا الاستعجال لتمرير تشريع يمكن تأجيله إلى أن تنضج شروط التوافق بشأنه مع المعنيين به، وهم المحامون في المقام الأول عبر مؤسساتهم الشرعية؟
لمصلحة من كل هذا التعنت الذي تبديه الحكومة؟ وما هي الرهانات الكبيرة الثاوية خلف كل هذا الحماس لتمرير قانون المحاماة في اللحظات الأخيرة من عمر الحكومة السياسي؟
أتمنى أن تغلب الحكومة المصلحة العامة بعدم إحالة المشروع على مكتب مجلس النواب، وإن تم إيداعه، أتمنى عدم برمجته إلى ان يتم سحبه سواء من هذه الحكومة أو غيرها، علما أن هذه الحكومة أبانت عن مهارة عالية في سحب مشاريع القوانين المفيدة
إن التوافق والمقاربة التشاركية والحوار المسؤول، كل ذلك فضيلة لا تتحقق إلا بتوفر حسن النية وخلق الالتزام والوفاء بالتعهدات، وحينما ينعدم ذلك فلا داعي للعناد، لأن التشريع لا يُدار بالعواطف والمقاربات النفسية، وإنما يحتاج للحكمة والرزانة وحِس المسؤولية الذي يصون هيبة الدولة وثقة محاوريها بها .