🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب
🇲🇦 *الحلقة العاشرة: الأسئلة أكثر إلحاحًا وحساسية في هذا السياق الوطني الدقيق :
🇲🇦 *ألا توجد جهات، أو أطراف، أو شبكات مصالح، ترى في استمرار هذا الوضع الملتبس مصلحةً لها ؟
ورزازات في يوم الثلاثاء 27 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي المغاربة داخل وخارج الوطن،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
حين نتأمّل مسار القضايا الوطنية الكبرى، ندرك أن أخطر ما قد يصيبها ليس بالضرورة المواجهة المباشرة مع الخصوم، بل تحوّلها، مع مرور الزمن، إلى ملفات معلّقة، تُدار أكثر مما تُحلّ، وتُؤجَّل أكثر مما تُحسَم.
فالقضية التي تطول دون حسم، وتعيش على إيقاع التوازنات المؤقتة، تصبح عرضة لأن تتشابك حولها الحسابات، وتُبنى على هامشها مصالح، وتتشكل في محيطها مناطق رمادية يصعب اختراقها.
لقد انطلقت الحلقات السابقة من سؤال الوعي والانتماء، ومرّت عبر المواطن، ثم المؤسسة، ثم القبيلة، وصولًا إلى المدرسة والأسرة، باعتبارها فضاءات التنشئة الأولى. وكان ذلك ضروريًا، لأن معركة الوجدان تبدأ دائمًا من القاعدة، ومن التفاصيل اليومية التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع المواقف.
غير أن الاقتصار على هذا المستوى، مهما بلغت دقّته، يظلّ غير كافٍ لفهم الصورة الكاملة، ما دام الخلل يتكرّر، والمؤشرات تعود بأشكال مختلفة، والأسئلة نفسها تفرض نفسها بعد عقود من الزمن.
وهنا بالذات، يفرض الواقع انتقالًا هادئًا ولكن حاسمًا في زاوية النظر. انتقالًا لا ينقض ما سبق، بل يتجاوزه نحو مستوى آخر من التحليل، أكثر تركيبًا وأشدّ حساسية.
فحين يستمرّ الالتباس في الوعي، وحين تتراكم الاختلالات دون معالجة جذرية، يصبح من المشروع وطنيًا أن نطرح سؤال السياق الذي يسمح لهذا الوضع بالاستمرار، لا فقط سؤال الأعراض التي تنتجه. *وهو بالضبط ما نبّه إليه جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ورعاه، منذ سنة 2014، حين دعا إلى الصراحة مع الذات، والتنبيه إلى مخاطر تحويل ملف الصحراء المغربية إلى مجال للابتزاز أو الريع أو الاستثمار غير المشروع.*
إن القضايا العادلة، حين لا تُحمى بالوضوح والصرامة الأخلاقية، قد تتحوّل، بمرور الزمن، إلى مجال للاستثمار غير المعلن. لا بالضرورة عبر الخيانة الصريحة، بل أحيانًا عبر التكيّف مع الغموض، أو الاستفادة من الوضع القائم، أو مقاومة أي حسم قد يُربك توازنات قائمة أو امتيازات مترسّخة.
وهنا لا يعود السؤال تربويًا فقط، ولا اجتماعيًا فحسب، بل يصبح سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد: *من المستفيد من استمرار هذا الالتباس؟ ومن الخاسر من حسمه؟*
ومن هذا المنطلق، لا تأتي الحلقة العاشرة بدافع الشك أو الاتهام، ولا بروح التشهير أو التصنيف، بل انطلاقًا من مبدأ وطني بسيط: *أن الصراحة مع الذات شرط أساسي لحماية القضايا الكبرى من التآكل الداخلي*. فالوطن الذي لا يجرؤ على مساءلة نفسه بعمق، يترك المجال مفتوحًا أمام من يشتغلون في الظل، ويُحسنون التكيّف مع الأوضاع الملتبسة، بل وقد يجدون في استمرارها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.
إن الانتقال إلى هذا السؤال ليس قفزًا في المجهول، ولا خروجًا عن الثوابت، بل هو انسجام تام مع منطق الدولة نفسها، ومع المرجعيات الوطنية الصريحة، وعلى رأسها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، التي نبّهت، في أكثر من مناسبة، إلى خطورة تحويل القضايا الوطنية إلى مجال للابتزاز أو الريع أو الاستثمار السياسي. وهو أيضًا وفاء لواجب المسؤولية الفكرية، التي تفرض عدم الاكتفاء بتشخيص السلوكيات، بل مساءلة البنى التي تسمح لها بالاستمرار.
من هنا، تفتح هذه الحلقة نقاشًا وطنيًا حساسًا، لكنه ضروري، حول احتمال وجود تقاطعات مصالح، أو شبكات نفوذ، أو حسابات ضيقة، لا يزعجها استمرار الغموض، بل قد ترى فيه ضمانًا لاستمرار أدوارها أو امتيازاتها. نقاش لا يستهدف فئة بعينها، ولا يصدر أحكامًا مسبقة، بل يسعى إلى تفكيك منطق الاستفادة من الالتباس، أيًّا كانت أشكاله، وأيًّا كانت مستوياته.
إنها حلقة تنتقل بنا من سؤال التربية إلى سؤال التدبير، ومن منطق النوايا إلى منطق النتائج، ومن تحليل الظواهر إلى مساءلة السياق العام الذي يحتضنها.
حلقة لا تبحث عن خصوم وهميين، بل عن الحقيقة كاملة، لأن *القضايا العادلة لا تخشى الوضوح، ولأن الوطن الذي نريد حمايته لا يستحقّ منا إلا الجرأة الهادئة، والصراحة المسؤولة، والقطع مع كل ما يراكم الغموض بدل أن يبدّده.*
وفي سياق هذه التساؤلات المتراكمة، ووفاءً لواجب الصراحة مع الذات قبل مخاطبة الآخر، يفرض الضمير الوطني طرح سؤال أشدّ مرارة ووجعًا، لكنه ضروري ولا يجوز القفز عليه:
*ألا توجد جهات، أو أطراف، أو شبكات مصالح، ترى في استمرار هذا الوضع الملتبس مصلحةً لها؟*
*أطراف لا يزعجها الغموض، بل تتغذّى عليه؛ لا تسعى إلى الحسم، بل تستثمر في التأجيل؛ تعيش على منسوب التوتر، وتُتقن اللعب في المناطق الرمادية، وتحوّل معاناة الشباب، وتيههم، وأسئلتهم المشروعة، إلى وقود للابتزاز السياسي، أو المادي، أو الرمزي، سواء تجاه الدولة أو باسم القضية الوطنية نفسها؟*
إن هذا السؤال، مهما بدا قاسيًا، ليس وليد الشك، بل يجد جذوره في *تنبيه ملكي صريح ومسؤول، ورد على أعلى مستوى، في الخطاب السامي الذي وجّهه جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ورعاه، بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2014،* حين قال بوضوح لا لبس فيه:
*”إننا نعرف جيدا أن هناك من يخدم الوطن، بكل غيرة وصدق. كما أن هناك من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه.*
*هؤلاء الذين جعلوا من الابتزاز مذهبا راسخا، ومن الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالقضية الوطنية، مطية لتحقيق مصالح ذاتية. كما نعرف أن هناك من يضعون رجلا في الوطن، إذا استفادوا من خيراته، ورجلا مع أعدائه إذا لم يستفيدوا.*
*وهنا أقول : كفى من سياسة الريع والامتيازات. وكفى من الاسترزاق بالوطن…”*، انتهى المنطوق الملكي.
إن هذا الكلام الملكي لم يكن انفعالًا عابرًا، ولا خطابًا مناسباتيًا، بل تشخيصًا دقيقًا لخللٍ عميق، وتنبيهًا مبكرًا إلى خطر حقيقي، صدر قبل أكثر من عشر سنوات، ولم يأتِ من فراغ.
*ومن هنا، يحقّ لنا – بل يجب علينا – أن نطرح سؤالًا آخر، أكثر إيلامًا، موجّهًا إلى كل المعنيين بهذا الملف، من سلطات عمومية، ومنتخبين، وأعيان، ونخب سياسية ومدنية:*
*ماذا فعلنا، فعليًا، منذ ذلك التنبيه الملكي الصريح، لاجتثاث من يريدون وضع الوطن في خدمة مصالحهم؟*
*ماذا أنجزنا لمحاصرة من جعلوا من الابتزاز أسلوبًا، ومن الريع ثقافة، ومن الامتياز حقًا مكتسبًا، ومن المتاجرة بالقضية الوطنية وسيلة للاغتناء أو للنفوذ؟*
*كيف تعاملنا مع أولئك الذين يضعون رجلًا في الوطن حين تُفتح لهم أبواب الامتياز، ورجلًا مع خصومه حين تُغلق، رغم قلتهم، كما أكد جلالة الملك؟*
*ماذا فعلت الجهات المعنية، كلٌّ من موقعه، لتحويل هذا التوجيه الملكي السامي من خطاب إلى ممارسة؟*
*وأين تجلّت، عمليًا، سياسات محاصرة الريع، وتجفيف منابع الابتزاز، وقطع الطريق أمام المتاجرة بالقضية الوطنية؟*
*ثم، إلى أي حدّ نجحت المؤسسات، والإدارات، والهيئات المنتخبة، والنخب المحلية، في ترجمة هذا التنبيه الملكي إلى إجراءات ملموسة، وآليات رقابة، وربط حقيقي بين المسؤولية والمحاسبة؟؟*
إن خطورة هؤلاء لا تكمن في عددهم، بل في قدرتهم على التشويش، وعلى تسميم النقاش العمومي، وعلى إفراغ التضحيات الصادقة من معناها، وتحويل قضية وطنية عادلة إلى مجال للمساومة أو الابتزاز.
ولذلك، فإن الصمت عنهم ليس حيادًا، والتغاضي عن ممارساتهم ليس حكمة، وتأجيل الحسم معهم ليس تعقّلًا، بل هو، في جوهره، تواطؤ غير معلن مع الخلل، وتأجيلٌ لانفجارات مؤجلة يدفع ثمنها الوطن، ويدفع ثمنها الشباب، وتدفع ثمنها مصداقية المشروع الوطني برمّته.
*إن الوفاء الحقيقي للقضية الوطنية لا يكون بالشعارات، ولا بالاصطفاف الموسمي، بل بالجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها، وبالقطع مع اقتصاد الريع، وسياسة الابتزاز، والمتاجرة بالوطن، أيًّا كان مرتكبوها، ومهما كانت مواقعهم.*
فالقضية التي تُستعمل للارتزاق، تُفرَّغ من قدسيتها،
والوطن الذي يُبتز باسم الوطنية، يُستنزف من داخله،
*وأخطر أعداء الأوطان ليسوا دائمًا خارج حدودها، بل أحيانًا في قلبها، حين يختبئون خلفها*.
إن مجرد طرح هذا السؤال يكشف حجم الخلل، لأن *الوطن الذي لا يجرؤ على مساءلة نفسه بصدق، يترك المجال مفتوحًا أمام من يشتغلون في الظل، ويحولون القضايا الوطنية العادلة إلى أوراق ضغط، أو أدوات مساومة، أو مشاريع ابتزاز دائم.*
والمؤلم أكثر، أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر دون تقاطع مسؤوليات: تقاطع بين تقصير في التأطير التربوي، وضعف في العمل الجمعوي الجاد، وغياب رؤية واضحة لدى بعض المنتخبين، وتراخٍ في الاشتغال القيمي والهوياتي، وصمت غير مفهوم من فاعلين يفترض فيهم أن يكونوا في الصفوف الأمامية للدفاع عن الوعي الوطني.
أيها السيدات والسادة الافاضل،
إن هذا النداء لا يهدف إلى توزيع التهم، ولا إلى التشكيك في وطنية أهلنا في الصحراء من جهة ولا في الدولة أو مؤسساتها من جهة أخرى، بل إلى دق ناقوس الخطر، والتنبيه إلى أن أخطر ما يهدد القضايا العادلة ليس الخصوم الخارجيين فقط، بل الفراغ الداخلي، والتواطؤ بالصمت، وترك الشباب فريسة للتيه والاختراق.
إنها دعوة صريحة، مؤلمة، لكنها ضرورية، لفتح نقاش وطني شجاع حول: *من يستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه؟* *ومن يخسر حين يتأخر الحسم في معركة الوعي؟ ومن يدفع الثمن حين يُترك الشباب بلا تأطير، ولا أفق، ولا خطاب صادق؟*
وهي أسئلة، وإن كانت موجعة، فإن تجاهلها أشد وجعًا، وتأجيلها أخطر على مستقبل الوطن.
إن طرح سؤال الاستفادة من استمرار الالتباس لا يروم إدانة أحد، ولا يختزل القضية الوطنية في منطق المؤامرة، بل يهدف إلى إعادة النقاش إلى جوهره الحقيقي: منظومة المسؤوليات المتقاطعة التي تسمح لهذا الوضع بأن يستمر، رغم وضوح الحق، وعدالة القضية، وتراكم الجهود الوطنية الصادقة.
خلاصة القول، لقد حاولت هذه الحلقة أن تنبّه إلى أن الخطر لا يكمن فقط في وجود نزعات انفصالية، بل في تطبيع وجودها، وفي التعايش الصامت معها، وفي تحوّلها، عند البعض، إلى واقع يُدار بدل أن يُعالج، ويُستثمر بدل أن يُستأصل.
غير أن مساءلة هذا المستوى، مهما كانت ضرورية، تظلّ ناقصة إن لم ننتقل إلى السؤال الأشمل:
سؤال المسؤولية الجماعية، حيث لا يعود النقاش محصورًا في جهات أو أطراف بعينها، بل يمتد ليشمل منظومة كاملة من الفاعلين، كلٌّ من موقعه ودوره، داخل الأقاليم الجنوبية وخارجها.
ومن هنا، سيكون الانتقال إلى *الحلقة الحادية عشرة* انتقالًا طبيعيًا، نغادر فيه سؤال “من قد يستفيد؟” نحو سؤال أوسع وأدقّ:
كيف تتقاطع مسؤوليات الأسرة، والمدرسة، والجمعيات، والأحزاب، والمنتخبين، والإعلام، والنخب الوطنية، في إنتاج هذا الواقع أو في تصحيحه؟
ذلك لأن *القضايا الكبرى لا يحميها طرف واحد، ولا يخذلها طرف واحد، بل تُصان أو تُهدَر بقدر ما نتحمّل جميعًا مسؤوليتنا، بصدق، ووضوح، وجرأة مسؤولة.*
فإلى الحلقة الحادية عشرة، إن شاء الله، حيث يصبح السؤال جماعيًا بامتياز، ولا يُعفي أحدًا من واجب المحاسبة الذاتية.
أخوكم المهندس عبد الله أيت شعيب