أهل سوس… حين يجتمع الإيمان بالنبل، والكرم بالعزة
د. مصطفى أبوسعد
كلما اقتربت من أهل سوس، شعرت أنك أمام منطقة لم تصنعها الجغرافيا وحدها، بل صنعتها قيم تراكمت عبر قرون: دين راسخ، وعمل صامت، وكرامة لا تضج، ووفاء للأصل، وكرم لا يحتاج إلى إعلان.
وأهل سوس، وفي قلبهم المكوّن الأمازيغي العريق، ليسوا مجرد انتماء جغرافي أو لغوي؛ إنهم صفحة أصيلة من صفحات المغرب، أسهمت في بناء هويته الدينية والعلمية والاجتماعية.
ولعل أول ما يلفتني في الشخصية السوسية ذلك التدين الهادئ الذي لا ينفصل فيه الدين عن السلوك. فالمسجد والقرآن والعالِم وحفظة كتاب الله ظلوا يحتلون مكانة معتبرة في الوجدان السوسي. وليس هذا انطباعًا عابرًا؛ فتاريخ المنطقة شاهد على انتشار الكتاتيب والمدارس العلمية العتيقة، حتى إن القرى والقبائل كانت تشارك في تمويلها وإطعام طلبتها ورعاية علمائها. وتشير المصادر التاريخية إلى أن عدد مدارس سوس العتيقة تجاوز في مراحل من تاريخها المائتين، وأن مدرسة أكلو قرب تزنيت تعد من أقدم المدارس العلمية في بوادي المغرب.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يخلّد العلامة محمد المختار السوسي هذا التراث في مشروعه العلمي الكبير، وأن تصبح عبارة «سوس العالمة» وصفًا لذاكرة كاملة من الفقهاء والمقرئين والأدباء والمربين. وقد نشأ المختار السوسي نفسه متنقلًا بين مدارس سوس، حافظًا للقرآن ومتدرجًا في علوم العربية والفقه والأدب، قبل انتقاله إلى مراكش وفاس والرباط.
وفي سوس معنى جميل للتدين أحب أن أقف عنده: أن يخدم الناسُ العلم من أموالهم وأقواتهم. كانت القبائل والقرى تتحمل جانبًا من نفقات الكتاتيب والمدارس، وتقدم الطعام والمؤونة للطلبة والعلماء؛ وكأن المجتمع كله كان يقول: العلم شأننا جميعًا، وليس شأن العالم وحده.
ثم هناك الكرم السوسي.
وقد يخطئ من يختزل السوسي في صورة التاجر الحريص على المال؛ فالاقتصاد وحسن التدبير شيء، والبخل شيء آخر. وما رأيته وعرفته عن كثير من أهل سوس أن الحرص عندهم تدبير، فإذا جاء موضع الضيافة والمروءة والواجب الاجتماعي ظهر وجه آخر: إكرام للضيف، وقيام بالواجب، وحفظ للود، وبذل بلا منّ.
ومن أجمل ما في الإنسان السوسي كذلك عزة النفس.
لا يحب أن يكون عالة على غيره، ويأنف من السؤال ما استطاع، ويقدّر العمل والكسب والاستقلال. ولذلك ارتبط اسم السوسيين في الذاكرة المغربية بالجد والاجتهاد والتجارة والصبر على الغربة وبناء النفس خطوة خطوة.
وفيهم أيضًا شيء أحبه كثيرًا: الشهامة الهادئة.
فليس كل نبل كثير الكلام. قد تجد الرجل السوسي قليل العبارات، لكنه حاضر عند الحاجة؛ يحفظ الجوار، ويقدر الكبير، ويعرف للناس أقدارهم، وإذا وعد استشعر ثقل الكلمة. وهذه القيم، وإن لم تكن حكرًا على جماعة دون أخرى، فإن تراكمها داخل البيئة والأسرة والتقاليد يجعل لها حضورًا مميزًا.
أما الأمازيغية في سوس، فهي ليست مجرد لغة نتحدث عنها في المناسبات، وإنما وعاء ذاكرة وهوية وقيم؛ حملت الحكاية والمثل والحكمة والشعر والتربية الأسرية، وعاشت جنبًا إلى جنب مع العربية والعلوم الإسلامية. ولذلك فإن الاعتزاز بالأمازيغية لا يناقض الانتماء الإسلامي أو المغربي؛ بل تاريخ سوس يقدم نموذجًا جميلًا لتعايش هذه الدوائر داخل هوية واحدة.
ولسوس كذلك تاريخ من العلم والمقاومة وحماية الكرامة والوطن؛ فقد شارك علماؤها في الشأن العام، وكان لهم حضور في الدفاع عن وحدة المغرب ومواجهة الأخطار، ولم تكن مدارسهم معزولة عن المجتمع، بل كانت مؤسسات تربية وتوجيه وبناء للوعي.
بل تجاوز إشعاع سوس حدود المنطقة والمغرب؛ فهناك شواهد تاريخية على انتقال بعض خريجي مدارسها إلى غرب أفريقيا ومساهمتهم في نشر العلم والتعليم الديني، وهو جانب مهم من امتداد سوس العلمي والحضاري.
وأحسب أن سرًا من أسرار الشخصية السوسية يكمن في هذه التركيبة الجميلة:
دين بلا صخب،
وكرم بلا استعراض،
واقتصاد بلا تبذير،
وعزة بلا تكبر،
وعمل بلا ضجيج،
ووفاء للأصل دون انغلاق،
وارتباط بالأرض مع قدرة عجيبة على الارتحال والنجاح.
وطبعًا لا يصح أن نعمم صفات واحدة على كل فرد؛ فالناس أفراد، وفي كل مجتمع تنوع كبير. لكننا نتحدث هنا عن ملامح ثقافية وقيم تاريخية صنعتها الأسرة والمسجد والمدرسة العتيقة والسوق والقبيلة وتجربة الهجرة والعمل عبر أجيال.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من أهل سوس والأمازيغ عمومًا أن الأصالة الحقيقية ليست لباسًا ولا لهجة ولا شعارًا؛ وإنما أخلاق تُرى في المعاملة.
أن تكون متدينًا فيصدق لسانك.
وأن تكون كريمًا فيأمن ضيفك.
وأن تكون قويًا فلا تظلم.
وأن تكون معتزًا بأصلك فلا تحتقر أصول الآخرين.
وأن تنجح فلا تنسى أهلك.
وأن تحفظ تراث أجدادك وأنت تبني مستقبل أبنائك.
تحية إلى سوس العالمة…
إلى جبالها وقراها ومدنها، إلى علمائها وصلحائها وتجّارها وفلاحيها وأمهاتها وآبائها، وإلى الأمازيغ الذين حفظوا عبر القرون لغة وهوية وذاكرة، وجعلوا من التنوع المغربي مصدر غنى لا فرقة.
وإذا كانت بعض المدن تُعرف بمعالمها، فإن سوس عندي تُعرف قبل ذلك بإنسانها؛ ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يغادر قريته ويحمل معه أينما ذهب شيئًا من رائحة الأرض، ووصايا الوالدين، وحرمة الدين، وعزة النفس، وحساب المسؤولية.
فسلام على أهل سوس؛ أهل الجد والكرم والشهامة، وسلام على كل خلق نبيل حافظوا عليه وأضافوه إلى فسيفساء المغرب الجميل .