«فَهْمْ تْسَطَّى»… حين يتّفق المغرب والجزائر على زرّ التصويت، ويختلفان على معنى التصويت، ثم يواصلان الاختلاف حتى في كيفية الخروج من المأزق!
بقلم: المهندس عبد الله أيت شعيب:
يوم السبت 17 أكتوبر 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
في السياسة، توجد مفارقات تحتاج إلى تفسير، وأخرى تحتاج إلى خبير في فكّ الألغاز، وثالثة لا يكفي لفهمها خبير في العلاقات الدولية، بل تحتاج إلى استدعاء المثل الشعبي المغربي الخالد: *«فهم تسطى»!*
وهذا بالضبط ما توحي به نتائج التصويت الذي شهدته اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 15 أكتوبر 2026، بشأن مشروع القرار المتعلق بالصحراء الغربية…:
152 دولة صوّتت لصالح المشروع،
ودولتان صوتتا ضده،
فيما اختارت سبع دول الامتناع.
الدولتان اللتان قالتا «لا»:
🇺🇸 الولايات المتحدة الأمريكية.
🇮🇱 إسرائيل.
والدول السبع التي فضّلت الجلوس فوق كرسي الامتناع:
🇫🇷 فرنسا،
🇬🇧 المملكة المتحدة،
🇨🇲 الكاميرون،
🇱🇷 ليبيريا،
🇭🇳 هندوراس،
🇲🇻 المالديف،
🇧🇳 بروناي دار السلام.
لكن المفارقة السياسية لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الطريقة التي يمكن أن يقرأ بها كل طرف النتيجة وفق الرواية التي يريد تسويقها، وكأننا أمام امتحان في التأويل السياسي، لا أمام تصويت داخل مؤسسة دولية.
المغرب والجزائر صوّتا معًا لصالح المشروع،
فهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُدرَّس في كليات العلوم السياسية، وأن تُعلَّق على أبواب وزارات الخارجية تحت عنوان:
*«كيف يمكن لخصمين أن يلتقيا في صندوق الاقتراع، ثم يعجزا عن الالتقاء حول طاولة الحوار؟»*
أولًا: اتفقا على التصويت… واختلفا على الحكاية!
ينظر المغرب إلى قضيته الوطنية من زاوية السيادة والوحدة الترابية، ويتمسك بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الذي يدافع عنه، ويرى في نتيجة التصويت نجاحًا دبلوماسيًا وسّع دائرة الدول المؤيدة لمقاربته؛ وهو ما تحتفي به وسائل الإعلام المغربية، مقدّمةً النتيجة باعتبارها مكسبًا جديدًا في مسار ترسيخ مغربية الصحراء.
في المقابل، تتمسك الجزائر وجبهة البوليساريو بخطاب تقرير المصير وتصفية الاستعمار، وتقرأ النتيجة من منظور مغاير تمامًا للمنظور المغربي، فتعتبرها بدورها انتصارًا دبلوماسيًا، وتقدّمها إعلاميًا باعتبارها ضربةً قاصمة لما تصفه بـ«آخر بؤرة استعمار في إفريقيا».
وهكذا، لا يكتفي الطرفان بتبنّي قراءتين متعارضتين للقضية، بل يحتفي كل منهما بالتصويت نفسه بوصفه انتصارًا لروايته، في مشهد يكشف الهوة الواسعة بين الموقفين، ويطرح سؤالًا جوهريًا: *كيف يمكن لنتيجة واحدة أن تتحول، في الخطابين المتقابلين، إلى انتصارين متناقضين؟*
إلى هنا، نحن أمام خلاف سياسي ودبلوماسي معروف، مهما اختلفنا في تقييم حجج كل طرف.
لكن إذا صوّت الطرفان لصالح النص نفسه، فهل يعني ذلك أنهما أصبحا متفقين على مضمونه؟ بالطبع لا.
وهل يعني أن أحدهما تراجع عن موقفه المعلن؟ ليس بالضرورة.
وهل يمكن أن يستخرج كل طرف من التصويت نفسه مادة إعلامية ليقول لجمهوره: «لقد انتصرنا»؟
في السياسة، هذا ممكن جدًا!
وهكذا يمكن أن نصل إلى مشهد بالغ الطرافة: طرف يحتفل لأنه يرى في النتيجة ما يخدم رؤيته، وطرف آخر يحتفل لأنه يقرأ النتيجة بطريقة مختلفة، وكل منهما يخرج من القاعة مقتنعًا بأنه ربح الجولة!
يا لها من ديمقراطية في التصويت، ويا لها من دبلوماسية في التأويل!
صوت واحد، وروايتان؛ ورقة واحدة، وقراءتان؛ نتيجة واحدة، واحتفالان متعارضان!
إنه أشبه باثنين دخلا متجرًا، واشتريا السلعة نفسها، ثم خرج كل واحد منهما ليؤكد أن الآخر هو الذي دفع الثمن!
اتفاق في لحظة التصويت، واختلاف في تفسير النتيجة، وعداء مستمر في الواقع…
فهل بقي شيء لم يختلفا عليه؟
هنا بالضبط يصبح المثل الشعبي المغربي صالحًا للتحليل السياسي: «فهم تسطى»!
ثانيًا: الأمم المتحدة ليست مسرحًا لتوزيع شهادات الانتصار!
لنكن واضحين: لا يكفي أن تصوّت 152 دولة لصالح مشروع قرار حتى يعلن كل طرف أنه حقق انتصارًا نهائيًا، ولا يكفي أن تصوّت دولتان ضده حتى يقال إنهما غيّرتا موازين القضية من جذورها.
الأمم المتحدة ليست ملعبًا لكرة القدم، ولا تُحسم القضايا المعقدة بمجرد عدّ الأصوات ثم توزيع الكؤوس على المنتصرين المعلنين!
إنها مؤسسة تتداخل فيها النصوص القانونية، والحسابات الدبلوماسية، والتحالفات، والمصالح، والاعتبارات الإجرائية، والاختلافات بين أجهزة المنظمة نفسها.
والتصويت داخل اللجنة الرابعة، المعنية أساسًا بالمسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار، له سياقه ووظيفته، ولا ينبغي الخلط بينه وبين قرار يصدر عن مجلس الأمن، أو اعتباره بديلًا عن المسار السياسي الذي تديره الأمم المتحدة.
كما أن الإشارة إلى قرار معين لمجلس الأمن، أو ربطه بمسار الحكم الذاتي، لا تعني تلقائيًا أن كل قرار يصدر في هيئة أممية أخرى يتبنى التفسير المغربي نفسه.
فالسياسة ليست لعبة كلمات، والقانون الدولي ليس قائمة طعام يختار منها كل طرف ما يناسب شهيته ثم يطالب الآخرين باعتبار اختياره هو الوجبة الرسمية!
ومن هنا، فإن الرابح الحقيقي ليس من ينجح في صناعة عنوان صحفي صاخب، ولا من يوزّع بيانات الانتصار قبل قراءة النصوص كاملة؛ بل من يحسن فهم التحولات الدولية، ويحوّلها إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية ملموسة.
أما الاكتفاء بتفسير كل تصويت باعتباره نصرًا تاريخيًا، فذلك أقرب إلى انتصار الرواية على الواقع منه إلى انتصار السياسة على التحديات.
ثالثًا: واشنطن وتل أبيب تقولان «لا»… وباريس ولندن تختاران «لا موقف»!
وهنا نصل إلى مشهد آخر لا يقل إثارة للتساؤل.
الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترتبط بالمغرب بعلاقات استراتيجية وتدعم مقترح الحكم الذاتي في سياقات دبلوماسية معروفة، تصوّت ضد مشروع القرار.
وإسرائيل تصوّت ضدّه أيضًا.
في المقابل، فرنسا وبريطانيا، وهما دولتان لهما حساباتهما وعلاقاتهما الخاصة مع المغرب، تختاران الامتناع عن التصويت.
فما الذي يعنيه ذلك؟
هل ينبغي أن نعتبر تصويت واشنطن ضد المشروع انقلابًا على المغرب؟ ليس بالضرورة.
وهل يعني تصويت إسرائيل ضد المشروع أنها تتبنى كل تفاصيل الموقف المغربي؟ ليس بالضرورة أيضًا.
وهل يعني امتناع باريس ولندن أنهما تخلّتا عن مواقفهما المؤيدة للمغرب في ملفات أخرى؟ لا يمكن استخلاص ذلك من هذا التصويت وحده.
فالسياسة الدولية لا تعمل بمنطق الصداقة الشخصية: «صديقي صوّت معي، وعدوي صوّت ضدي»؛ بل بمنطق المصالح، وتباين الأطر القانونية، وتعدد الحسابات، وأحيانًا اختلاف الموقف باختلاف المؤسسة التي يُتخذ داخلها القرار.
قد تدعم دولة مقترحًا سياسيًا في إطار معين، لكنها تتحفظ على نص آخر أو تختار الامتناع عنه لأسباب مختلفة.
وقد تطلب دولة إجراء تصويت مسجل لأسباب إجرائية أوسع، لا بسبب خلاف خاص حول مشروع واحد.
ولهذا ينبغي التمييز بين ما نعرفه من نتيجة التصويت، وما نستنتجه منها، وما يحتاج إلى تفسير رسمي قبل الجزم به.
لكن السؤال الذي يستحق الطرح هو: إذا كانت هذه الدول الكبرى تحسن الفصل بين ملفاتها، وتوازن مصالحها، وتغيّر أدواتها الدبلوماسية بحسب الظروف، فلماذا لا نتعلم نحن أيضًا أن إدارة الخلافات تحتاج إلى أكثر من ردود الفعل والشعارات؟
واشنطن لا تتحرك بدافع العاطفة، وباريس لا توزّع مواقفها بالمجان، ولندن لا تضع مصالحها في الثلاجة انتظارًا لرضا الآخرين.
كل دولة تسأل أولًا: ماذا سأربح؟ وماذا سأخسر؟ وما الذي يخدم موقعي الاستراتيجي؟
أما نحن، فكثيرًا ما ننشغل بسؤال آخر: من صوّت معنا؟ ومن صوّت ضدنا؟ ومن أحرج من؟ ومن خرج منتصرًا في العناوين؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين من يدير السياسة، ومن يكتفي بالتفرج عليها!
رابعًا: من المستفيد من استمرار الخصومة المغربية الجزائرية؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يزعج الجميع، لا أن يزعج طرفًا واحدًا فقط.
من المستفيد من بقاء الحدود البرية مغلقة؟
من المستفيد من استمرار تعثر اتحاد المغرب العربي الأمازغي؟
من المستفيد من ضياع فرص الاستثمار والتجارة والتكامل الصناعي والطاقي؟
من المستفيد من أن تتحول الجغرافيا المشتركة إلى خط تماس سياسي، بدل أن تصبح جسرًا للتبادل والتعاون؟
ومن المستفيد من أن يكبر شباب البلدين في مناخ يتعلم فيه كل جيل كيف يرث خلافات الجيل السابق، بدل أن يرث مشروعًا مشتركًا لبناء المستقبل؟
هل يُعقل أن يمتلك المغرب والجزائر كل هذه الإمكانات البشرية والاقتصادية والجغرافية، ثم يتصرفا وكأن التعاون بينهما خطر استراتيجي، وكأن فتح صفحة جديدة تنازل لا يُغتفر؟
هل أصبح من الأسهل أن يتنافس البلدان على كسب المواقف في المحافل الدولية، من أن يتنافسا على تحسين التعليم، وتطوير البحث العلمي، وخلق فرص العمل، وتحديث البنية التحتية، وجذب الاستثمارات؟
وهل صارت إدارة الخلاف أهم من البحث عن مخرج منه؟
إن الخلاف بين الدول ليس استثناءً في العلاقات الدولية، ولا يُطلب من المغرب أن يتخلى عن ثوابته الوطنية، ولا من الجزائر أن تغيّر مواقفها بمجرد دعوة عاطفية إلى الأخوة.
لكن هناك فرقًا شاسعًا بين الدفاع عن المصالح الوطنية، وبين تحويل الخصومة إلى غاية في حد ذاتها.
هناك فرق بين أن تختلف مع جارك، وبين أن تجعل الخلاف معه أساسًا دائمًا لتدبير سياساتك.
وهناك فرق بين أن تحمي سيادتك، وبين أن تتعامل مع كل خطوة نحو التفاهم باعتبارها هزيمة سياسية.
فالسيادة لا تعني العزلة، والكرامة الوطنية لا تعني إدامة القطيعة، والقوة لا تُقاس بعدد الخصومات التي تستطيع الدولة خوضها، بل بعدد المصالح التي تستطيع حمايتها وتحقيقها.
خامسًا: القوى الكبرى تحسب مصالحها… ونحن نحسب عدد سنوات القطيعة!
لقد ساهمت عوامل إقليمية ودولية، عبر مراحل مختلفة، في تعقيد الخلاف المغربي الجزائري. ولا يمكن اختزال تاريخ هذا النزاع الطويل في مؤامرة خارجية واحدة، كما لا يصح إنكار أن التنافس الدولي قد يخلق فرصًا لبعض القوى لتعزيز نفوذها أو توظيف التوترات القائمة.
لكن السؤال الأهم ليس: من يريد استمرار الخلاف؟
السؤال الأهم هو: ما الذي يجعل استمرار الخلاف ممكنًا، رغم كلفته الباهظة على البلدين؟
فالدول الكبرى ليست جمعيات خيرية، ولا تعمل وفق مبدأ التضحية بمصالحها من أجل سعادة الآخرين.
إنها تبحث عن الأسواق، ومصادر الطاقة، والممرات الاستراتيجية، والنفوذ السياسي، والشراكات العسكرية والاقتصادية، وتعيد ترتيب أولوياتها كلما تغيرت الظروف.
وإذا وجدت في خلاف إقليمي فرصة لتعزيز حضورها، فلن يكون من الحكمة أن نتوقع منها أن تتخلى عن هذه الفرصة بدافع الأخوة المغاربية!
لكن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده.
فلا يجوز أن نحمّل القوى الكبرى مسؤولية كل ما نختلف عليه، ثم نعفي أنفسنا من مسؤولية القرارات التي نتخذها، أو من مسؤولية الفرص التي نضيّعها.
الخارج قد يستثمر في الخلاف، لكنه لا يستطيع أن يصنع شراكة إقليمية بدلًا عنا إذا كنا نحن لا نريدها.
والدليل البسيط أن الجغرافيا لم تتغير، والمصالح الاقتصادية لم تختفِ، وروابط المجتمع والتاريخ لم تُمحَ؛ ومع ذلك بقيت القطيعة أقوى من إرادة التقارب.
فهل المشكلة في أن العالم لا يريد لنا اتحادًا مغاربيًا قويًا فقط، أم أن المشكلة أيضًا في أننا لم ننجح بعد في جعل بناء هذا الاتحاد أولوية سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة؟
إن انتظار القوى الكبرى كي تصلح خلافاتنا يشبه انتظار المسافر أن يفتح له جاره الطريق، بينما المفتاح في جيبه والباب أمامه!
سادسًا: «جوج بغال»… اسم معبر أم عنوان مرحلة؟
أما المعبر الحدودي بين البلدين المعروف باسم «جوج بغال»، فقد منحتنا المفارقة فرصة نادرة لاختصار مشهد طويل في عبارة شعبية قصيرة!
اسم يثير الابتسام، وواقع يدعو إلى الأسف.
معبر حدودي يفترض أن يكون منفذًا للعبور والتواصل، لكنه صار في الوعي العام رمزًا لحدود مغلقة، وعلاقات متوترة، وجوار لم يستطع تحويل القرب الجغرافي إلى تقارب سياسي.
ولنكن صريحين: ليست المشكلة في اسم المعبر، ولا في طرافة التسمية، بل في المفارقة التي يكشفها الواقع.
بلدان متجاوران، تجمعهما اللغة والتاريخ والدين وروابط المجتمع والمصالح الاقتصادية، لكنهما لا يزالان عاجزين عن تحويل هذه العناصر إلى مشروع إقليمي مستدام… *”جوج بغال”*.
بلدان يعرف كل منهما أهمية الآخر، لكنهما يتصرفان في كثير من الأحيان وكأن الاعتراف المتبادل بالمصلحة المشتركة يحتاج إلى تنازل لا يمكن قبوله… *”جوج بغال”*
بلدان يملك كل منهما ما يحتاج إليه الآخر في مجالات مختلفة، ومع ذلك تبقى فرص التكامل أقل بكثير من الإمكانات المتاحة.،، *”جوج بغال”*
فهل أصبح فتح الحدود أصعب من فتح جبهة إعلامية جديدة؟
وهل صار تبادل الاتهامات أسهل من تبادل السلع والخبرات والاستثمارات؟
إن «جوج بغال» لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان ساخر في مقال، بل مناسبة لطرح سؤال أكثر جدية:
*كم من الفرص ضاعت خلف هذا المعبر؟*
*وكم من مشروع اقتصادي لم يرَ النور؟*.
*وكم من شاب مغاربي اضطر إلى البحث عن مستقبله بعيدًا عن منطقة كان يمكن أن تصبح فضاءً للتكامل والنمو؟*..
ليس المطلوب أن نضحك على المعبر، بل أن نسأل أنفسنا: لماذا أصبح اسم معبر حدودي مادة للسخرية، بينما كان من المفترض أن يكون رمزًا للتواصل بين شعبين جارين؟
إن المفارقة ليست أن للمعبر اسمًا طريفًا؛ المفارقة أن المنطقة التي تحتاج إلى الجسور ما زالت أسيرة الحدود المغلقة!
سابعًا: هل التقارب خيانة للثوابت؟ أم أن استمرار القطيعة هو الخسارة الحقيقية؟
هنا ينبغي وضع الأمور في نصابها.
الدعوة إلى الحوار بين المغرب والجزائر ليست دعوة إلى التنازل عن السيادة المغربية، ولا إلى التخلي عن الثوابت الوطنية، ولا إلى مساواة المواقف السياسية والقانونية المختلفة بعضها ببعض.
كما أنها ليست مطالبة للجزائر بأن تتخلى عن كل مواقفها قبل أن يبدأ أي حوار.
فلو اشترط كل طرف أن يتبنى الآخر مواقفه كاملة قبل الجلوس معه، فما جدوى الدبلوماسية أصلًا؟
الدبلوماسية وُجدت لأن الدول تختلف، ولأن المصالح تتعارض، ولأن التسويات الممكنة تحتاج إلى قنوات للتواصل والتفاوض.
أما إذا كان الحوار لا يبدأ إلا بعد انتهاء الخلاف، فإننا لا نكون أمام سياسة خارجية، بل أمام انتظار معجزة!
والمطلوب ليس أن يصبح المغرب والجزائر نسخة واحدة في رؤيتهما للعالم، ولا أن يتفقا على كل الملفات، بل أن يدركا أن بعض الخلافات يمكن إدارتها دون أن تتحول إلى قطيعة شاملة، وأن بعض الملفات يمكن أن تشهد تعاونًا عمليًا حتى في ظل استمرار الاختلاف حول ملفات أخرى.
يمكن أن تتباين المواقف السياسية، ومع ذلك تُفتح قنوات التواصل.
يمكن أن يستمر الخلاف حول قضية معينة، ومع ذلك تُبحث المصالح الاقتصادية المشتركة.
يمكن أن يختلف الطرفان في تفسير تطورات دولية، ومع ذلك يتعاونان في القضايا التي تخدم استقرار المنطقة وتنمية شعوبها.
فالواقعية السياسية ليست أن تتخلى عن مبادئك، بل أن تعرف كيف تحميها دون أن تحوّل كل خلاف إلى حرب مفتوحة.
وإذا كان المغرب متمسكًا بثوابته الوطنية، فإن من حقه، بل من واجبه، أن يبحث في الوقت نفسه عن كل السبل التي تحمي مصالحه وتدعم استقراره وتفتح أمام شعبه آفاق التنمية.
والأمر نفسه ينطبق على الجزائر.
فلا المغرب مطالب بإلغاء ذاكرته السياسية، ولا الجزائر مطالبة بمحو مواقفها بقرار مفاجئ؛ لكن كليهما مطالب بالتفكير في كلفة استمرار الوضع القائم، وفي البدائل التي يمكن أن تخدم الأجيال المقبلة.
ثامنًا: من يملك الشجاعة ليخرج من دائرة ردود الفعل؟
المشكلة الكبرى في الخصومات الطويلة أنها تتحول تدريجيًا إلى منظومة كاملة من العادات السياسية والإعلامية.
كل تصريح يستدعي تصريحًا مضادًا.
كل خطوة تُقرأ باعتبارها تحديًا.
كل مبادرة تُفحص أولًا بحثًا عن نوايا صاحبها، بدل فحص مضمونها وإمكان الاستفادة منها.
ومع مرور الزمن، تصبح العودة إلى الحوار أكثر صعوبة، ليس لأن الحلول غير موجودة بالضرورة، بل لأن الخطاب المتشدد يجعل أي خطوة نحو التفاهم تبدو أمام الجمهور وكأنها تراجع أو ضعف.
وهكذا يقع صانع القرار في فخ صنعه الخطاب نفسه: يرفع سقف الخصومة، ثم يجد صعوبة في النزول عنه دون أن يتعرض للانتقاد.
لكن القيادة السياسية الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على تصعيد الخطاب فقط، بل بقدرتها على اتخاذ القرار المناسب عندما تتطلب المصلحة ذلك.
إن الشجاعة ليست أن تواصل السير في الطريق نفسه لمجرد أنك سرت فيه طويلًا.
والحكمة ليست أن تبرر الخسائر القديمة بخسائر جديدة.
والقوة ليست أن ترفض الحوار حتى لا يقال إنك تنازلت، ثم تكتشف بعد سنوات أن ثمن رفض الحوار كان أكبر من أي تنازل كان يمكن تفاديه.
القائد الاستراتيجي لا يسأل فقط: كيف أربح الجولة؟ بل يسأل أيضًا: إلى أين تقودنا هذه الجولات المتتالية؟ وماذا سنترك للأجيال القادمة بعد انتهاء التصفيق؟
وهنا يكمن الفرق بين سياسة تدير الأزمة، وسياسة تبحث عن مخرج منها.
تاسعًا: السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه:
لنفترض أن المغرب والجزائر سيواصلان الاختلاف حول الصحراء، وأن لكل منهما رؤيته وحساباته ومرافعاته الدبلوماسية.
حسنًا، وماذا بعد؟
هل يعني ذلك أن يبقى اتحاد المغاربي معطلًا إلى أجل غير مسمى؟
هل يعني ذلك أن تظل الحدود مغلقة مهما تغيرت الظروف؟
هل يعني ذلك أن تبقى مصالح المواطنين رهينة التوتر السياسي؟
هل يعني ذلك أن تصبح كل فرصة للتعاون موضع شبهة، وكل دعوة للحوار موضوعًا للمزايدة؟
وهل يُعقل أن تتغير موازين القوى في العالم، وأن تتبدل التحالفات الدولية، وأن تتقدم مناطق أخرى نحو التكامل الاقتصادي، بينما نظل نحن نعيد إنتاج الخلافات نفسها، ونناقش الأسئلة نفسها، وننتظر من الطرف الآخر أن يبدأ أولًا؟
إذا كانت القوى الكبرى تستطيع التفاوض مع خصومها عندما تقتضي مصالحها ذلك، فلماذا نتصرف نحن وكأن مجرد الجلوس إلى طاولة واحدة يمثل هزيمة؟
وإذا كانت الدول تغيّر أدواتها الدبلوماسية وفق تطورات الواقع، فلماذا نسمح للخلافات القديمة بأن تتحول إلى قيود تمنعنا من التفكير في المستقبل؟
من قال إن التفاوض يعني التنازل؟ ومن قال إن الحوار يعني الاعتراف بصحة موقف الطرف الآخر؟ ومن قال إن التعاون في المصالح المشتركة يقتضي الاتفاق في كل القضايا؟
هذه أسئلة تستحق إجابات عملية، لا مجرد شعارات عن الأخوة أو السيادة أو الانتصار.
فالخلافات لا تُحلّ بالتمنيات، ولكنها لا تُحلّ أيضًا بتحويلها إلى قدر أبدي.
عاشرًا: «فهم تسطى»… لكن الشعوب لا ينبغي أن تدفع ثمن العبث!
لنعُد إلى بداية الحكاية.
إذا تأكد أن المغرب والجزائر صوّتا لصالح المشروع نفسه، فهل يعني ذلك أنهما أصبحا متفقين؟ لا.
وهل يعني أن خلافاتهما انتهت؟ قطعًا لا.
وهل يعني أن كل طرف يمكن أن يفسر النتيجة وفق رؤيته الخاصة؟ نعم، وهذا أمر مألوف في السياسة.
لكن المفارقة التي تستحق السخرية حقًا ليست أن يختلف الطرفان في تفسير تصويت واحد؛ فالاختلاف في تفسير النصوص والمواقف أمر شائع في العلاقات الدولية.
المفارقة الأعمق هي أن يظل الحوار بينهما أصعب من الاتفاق على تصويت داخل مؤسسة دولية، وأن يصبح التنسيق في المصالح المشتركة أكثر تعقيدًا من التلاقي المؤقت حول إجراء دبلوماسي.
فإذا كان من الممكن أن يلتقي البلدان في خانة واحدة على لوحة التصويت، فلماذا يبدو الالتقاء في خانة المصالح المشتركة مهمة شبه مستحيلة؟
هنا لا يعود المثل الشعبي مجرد نكتة، بل يتحول إلى سؤال سياسي موجع.
«فهم تسطى»… لأننا قد نجد أنفسنا أمام مشهد يلتقي فيه الخصمان على الورقة، ثم يعود كل منهما ليعلن أنه قرأها وحده قراءة صحيحة!
«فهم تسطى»… لأن الخلاف يستمر، والحدود تبقى مغلقة، والفرص تضيع، بينما تتغير خرائط الاقتصاد
والتكنولوجيا والتحالفات من حولنا.
«فهم تسطى»… لأن شعوب المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الدروس في كيفية صناعة الخصومات، بل إلى دروس في كيفية تحويل الإمكانات المشتركة إلى قوة اقتصادية وعلمية وتنموية.
أما «جوج بغال»، فليته يبقى مجرد اسم لمعبر حدودي، ولا يتحول إلى عنوان دائم لسياسة تستنزف الجوار، وتُهدر الفرص، وتترك المستقبل رهينة الماضي.
الخلاصة: من سيكسب المستقبل؟
المغرب له ثوابته الوطنية ومصالحه الاستراتيجية، والجزائر لها حساباتها ومواقفها، ولا ينبغي الخلط بين الدعوة إلى الحوار وبين المطالبة بالتنازل عن المبادئ.
لكن الحقيقة التي لا تستطيع أي رواية سياسية إخفاءها هي أن الجغرافيا لا تتغير بالشعارات، وأن المصالح لا تختفي بالتصريحات، وأن الأجيال المقبلة لن تحاسب قادتها على عدد البيانات التي أصدروها فقط، بل على ما بنوه من استقرار وتنمية وفرص.
لن تبني واشنطن اتحادًا مغاربيًا نيابة عن المغاربة والجزائريين.
ولن تفتح باريس الحدود بدلًا عن الرباط والجزائر.
ولن تصنع لندن مشروعًا اقتصاديًا مشتركًا لشعوب المنطقة إذا ظل القرار السياسي عاجزًا عن تحويل الجوار إلى شراكة.
الاتحاد المغاربي لن يولد من تصويت أممي، ولن يتحقق ببيان دبلوماسي، ولن تصنعه قوة خارجية؛ بل يحتاج إلى إرادة سياسية من داخل المنطقة، وإلى واقعية تضع مصلحة الشعوب فوق حسابات الخصومة الدائمة.
فالقوى الكبرى ستواصل حساب مصالحها، وهذا حقها في عالم السياسة.
أما نحن، فهل سنواصل حساب سنوات القطيعة، أم سنبدأ حساب كلفة استمرارها؟
هل سنظل نتنافس على من يحرج الآخر أكثر، أم سنتنافس على من يقدم لشعبه فرصًا أكبر؟
هل سنترك للأجيال القادمة إرثًا من الحدود المغلقة والخطابات المتبادلة، أم نمنحها فرصة بناء فضاء مغاربي يليق بما يملكه من تاريخ وثروات وطاقات بشرية؟
«فهم تسطى»… قد يتفق المغرب والجزائر على ورقة، ويختلفان على تفسيرها؛ لكن العبث الحقيقي هو أن يظل المستقبل المشترك للبلدين رهينة خلاف لم ينجح أي منهما، حتى الآن، في تحويله إلى تسوية مقبولة ومستدامة.
أما الدرس الأهم، فهو أن الدول لا تُقاس فقط بما تنتزعه من اعترافات دولية، بل أيضًا بما تحققه لشعوبها من أمن وازدهار وكرامة.
فالقوة ليست أن تجعل جارك خصمًا دائمًا، بل أن تحمي مصالحك وثوابتك، وتمنع الخلاف من التحول إلى استنزاف دائم، وتملك الشجاعة السياسية للبحث عن الحلول عندما يصبح ثمن الجمود أكبر من ثمن الحوار.
🇲🇦🇩🇿 الشعوب لا تحتاج إلى مزيد من دروس العداء؛ إنها تحتاج إلى من يفهم أن الجغرافيا تفرض الجوار، لكن الحكمة وحدها هي التي تحوّله إلى شراكة، وأن التاريخ قد يفسّر الخلاف، لكنه لا ينبغي أن يحكم على المستقبل بالبقاء أسيرًا له.