مجهر الصحراء : كتاب الرأي
الحلقة الثانية: بطاقة الصحافة.. إثبات للصفة أم شرط للاعتراف؟ قد تتغير المنشأة الصحفية فهل يفقد الصحفي صفته المهنية؟
بقلم : ذ. الصحفي المحفوظ أيت صالح.
لا يجب أن ترتبط بطاقة الصحافة بأي منشأة صحفية ويجب أن تمدد إلى خمس سنوات بدل سنة واحدة؟؟
لم تعد البطاقة وسيلة لإثبات الصفة المهنية فقط لدى المؤسسات أو في إطار العلاقات المهنية والعامة للصحفي، لكنها مع مرور الوقت أصبحت مرتبطة بمجموعة واسعة من الحقوق والامتيازات والاعترافات المهنية. ولذلك فإن طريقة منحها أو تجديدها أو سحبها تكتسي أهمية كبيرة ومصيرية في الحياة المهنية للصحفي.
فالقانون التنظيمي أسند تدبير البطاقة إلى الإطار المؤسساتي المنظم للمهنة الذي كان ممثلا، قبل المجلس الوطني، في الوزارة الوصية، مع وضع شروط ومساطر محددة، كما أن التعديلات الأخيرة أدخلت تغييراً تقنياً في المصطلحات، عبر استبدال عبارة البطاقة “الملغاة” بعبارة البطاقة “التي تم سحبها”.
وبين الإلغاء والسحب لابد من التوقف قليلا من أجل رفع نوع من اللبس فمن المقبول والمنطقي أن تسحب البطاقة من الصحفي عندما يخل بشروط النزاهة المطلوبة في العمل الصحفي أو استجد في أمره ما يكون مانعا بقوة القانون سحبها، كالتورط في جرائم الابتزاز أو غيرها من الجرائم السالبة للحرية التي ترتبط بالحق العام وليس بطبيعة ممارسته الصحفية.
كما يمكن قبول سحب البطاقة من الصحفي لمدة تكون محدودة بحكم القانون إذا أخلق بأخلاقيات المهنة، لكن المعضلة التي لايمكن قبولها هي أن تسحب من الصحفي بطاقة الصحافة إذا قرر أن يغير المنشأة الصحفية التي يشتغل بها لينتقل إلى مؤسسة أخرى.
وهذا في نظري هو الهراء إذ كيف يمكن لهذا الصحفي أن يستمر في عمله بشكل حر إلى أن يعثر على الصحيفة التي تناسب طموحه المهني والمادي هل تتم إحالته على البطالة خلال هذه الفترة الانتقالية إذا حصل معه هذا الأمر في الستة أشهر الأولى من السنة.
لذلك لايجب ربط البطاقة بالمنشأة الصحفية فالصحفي يجب أن يبقى معه ما يثبت مهنته سواء مع هذه المؤسسة أو تلك لذلك وجب سحب اسم المنشئة من بطاقة الصحافة وأن تمدد مدة تجديد البطاقة إلى خمس سنوات لأنه لا يعقل أن يبقى الوضع المهني للصحفي معلقا إلى أن يجد المنشأة التي يجب أن تقبل به ويقبل بها.
علما أن العمل الصحافي يقتضي دائما تغير العتبة كما يقال لأن خطوط التحرير لم تعد مستقرة ولا تتناسب في غالبيتها مع طموح الصحفي الذي يتعرض لضغوط جراء هذا التحول المفاجئ في خط التحرير الصحيفة ومن طبيعة الصحفي أن ينتقل إلى الأفاق الرحبة دائما.
فالإشكال الأعمق، مع ذلك، يتعلق بالعلاقة بين البطاقة والممارسة الفعلية للصحافة. هل الصحافي هو من يمارس المهنة فعلاً، أم من حصل على اعتراف إداري بهذه الصفة؟ هذا السؤال يزداد تعقيداً مع الصحافيين المستقلين أو العاملين في مؤسسات ناشئة أو رقمية صغيرة، ومع من يشتغلون لفائدة أكثر من مؤسسة.
كما يطرح موضوع البطاقة سؤالاً آخر مرتبطاً بالتنظيم الذاتي للمهنة: إلى أي حد يمكن للهيئة المكلفة بتدبير البطاقة أن تضع معايير تحمي المهنة من الدخلاء دون أن تتحول هذه المعايير إلى عائق أمام الولوج المشروع إلى الصحافة؟ وهنا تظهر أهمية ضمان الشفافية في القرارات، ووضوح شروط القبول والرفض، وإتاحة مساطر فعالة للطعن.
فالمطلوب ليس إلغاء البطاقة أو التقليل من أهميتها، وإنما ضمان أن تظل أداة لإثبات الصفة المهنية وليس وسيلة لإغلاق المجال، فالسؤال المفتوح الذي وجب على المهنيين اعداد عناصر الإجابة عنه هو: كيف يمكن حماية مهنة الصحافة من الانتحال دون جعل بطاقة الصحافة أداة للتحكم في من يحق له أن يكون صحافيا ؟