مجهر الصحراء : كتاب الرأي .
الصحافي بين القانون والهشاشة الاجتماعية كيف يمكن مطالبة الصحافي بالاستقلال والشجاعة المهنية إذا كان في وضع اقتصادي هش يجعله أكثر عرضة للضغط
بقلم : الصحفي محفوظ أيت صالح.
يمكن للقانون أن يمنح الصحافي صفة مهنية، لكن السؤال الأهم هو: هل يضمن له شروطاً اجتماعية واقتصادية مستقرة؟ فالصحفي يحتاج إلى أجر يضمن له كرامة العيش وخدمات اجتماعية تجعله متفرغا لعمله بكل استقلالية وتجعله بعيدا عن أي دوائر النفوذ المالي أو السياسي.
وبهذه المناسبة أود التأكيد على قناعة تكرست لدي منذ عقدين من الزمن فالباحثون على المال والثروة عليهم الاستثمار بعيدا عن الصحافة، لأن هذه المهنة لا تقبل إلا بحفنة من المجانين الذين لا تهمهم الأموال الطائلة ولا العقارات الفاخرة، فللحياة لديهم مقاييس أخرى غير هذه، فالفكر الحر وجمع الثروة لا يجتمعان على الأقل في سياقنا المغربي.
وإذا عندنا إلى القانون رقم 89.13 نجده ينظم عدداً من جوانب علاقة الشغل، مثل العقود والتعويضات والعطل والفصل. لكنه لا يلغي واقعاً يعرفه القطاع، وهو وجود فئات واسعة تعاني من هشاشة مهنية متفاوتة.
ويظهر هذا الإشكال بشكل أكبر في حالة الصحافي الحر. فالقانون يعترف به، لكنه لا يقدم تنظيماً تفصيلياً لكل جوانب وضعه الاجتماعي والتعاقدي، فالصحافي الحر قد يشتغل مع أكثر من مؤسسة، ويتقاضى مقابلاً عن كل مادة أو عمل، دون أجر قار. وهنا تبرز أسئلة حول الحماية الاجتماعية، واستمرارية الدخل، وحقوقه عند إنهاء التعاون، والحد الأدنى للتعويض.
كما أن الهشاشة لا تخص الصحافي الحر فقط، بل قد تشمل أيضاً صحافيين مرتبطين بعقود غير مستقرة أو بأجور ضعيفة، أو يشتغلون دون وضوح كاف في الحقوق والواجبات.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: كيف يمكن مطالبة الصحافي بالاستقلال والشجاعة المهنية إذا كان في وضع اقتصادي هش يجعله أكثر عرضة للضغط؟ ومحاولة الجواب جاءت مع الاتفاقية الجماعية التي انطلقت وتعثرت ولكن بالرغم من العيوب التي شابت هذه التجربة تبقى الاتفاقية الجماعية شكلا من أجل الحد من الهشاشة الاجتماعية من خلال إعادة النظر في بنودها وكذا سقف الأجور الذي جاءت به وفي نظري فالمقاولات الصحفية اليوم أصبح بإمكانها تقليص عدد الموارد البشرية من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية مع التشديد في الشروط الأكاديمية والعلمية والتقنية مع الرفع من الأجور لضمان حياة اجتماعية لمواردها البشرية وفي نفس الوقت الرفع من جودة المضامين الإعلامية.
كما برز النقاش في وقت سابق عن تأسيس تعاضدية خاصة بالأعمال الاجتماعية من أجل تغطية هذا الخصاص الكبير الذي تحاول جمعية الأعمال الاجتماعية للصحافة المكتوبة أن تغطيه بإمكانياتها المحدودة
وفي الأخير وجب التذكير أن الاستقلال التحريري لا ينفصل عن الاستقلال الاقتصادي. فكلما كانت علاقة الشغل مستقرة وواضحة، أصبحت قدرة الصحافي على الدفاع عن قراراته المهنية أكبر، فالتعديلات الأخيرة لم تحدث تحولاً عميقاً في هذا الجانب، وهو ما يجعل الملف الاجتماعي من أبرز القضايا التي ما زالت تستحق الإصلاح.
السؤال المركزي:
هل يمكن بناء صحافة مستقلة فعلاً دون حماية اجتماعية ومهنية قوية للصحافي؟