حين تتحول الوطنية إلى أداة للهيمنة على الرأي العام، وإلى وسيلة للمتاجرة بأنصاف النخب التي تحمل الشهادات، دون أن تمتلك منظومة متكاملة من الوعي والإدراك النقدي.
تشكل هذه الحالة الأخيرة نموذجًا صارخًا لأحد أعمق واخبث طرق التحولات الهيكلية في آليات إنتاج الهيمنة وإعادة تشكيلها؛ إذ تجاوزت المؤسسة العسكرية الأطر التقليدية لحماية النظام السيادي التى تؤمن به عبر النصوص الدستورية الصريحة، على غرار النص التاريخي في الدستور التركي الذي أسند إلى الجيش مهمة حراسة العلمانية، لتنتقل إلى نمط أكثر تعقيدًا وخفاءً واستدامة، يقوم على هندسة الوعي الجمعي وإعادة هيكلة الفضاء العام تحت غطاء الوطنية وشعارات حماية الدولة.
وفي هذا السياق، لم تعد الوصاية مجرد آلية إجرائية لتقييد المسار الديمقراطي أو الحد من استقلالية مؤسساته، بل #تحولت إلى استراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل الوعي السياسي بما يتوافق مع مصالح السلطة ورجالها لا لصالح الأمن القومي ومفهوم الدولة كاملة الأركان، بما يعمل على إضعاف آليات المناعة المعرفية والنقدية لدى النخب والأوساط الأكاديمية، عبر استقطابها واحتوائها وتحييد أدوارها الرقابية تحت تأثير إغراءات السلطة وبريق المناصب ووهم المشاركة في صناعة القرار؛ الأمر الذي أفضى إلى إفراغ الألقاب العلمية والدرجات الأكاديمية من مضمونها التنويري والنقدي، وتحويلها من أدوات لإنتاج المعرفة وتفكيك بنى الهيمنة إلى وسائل لإضفاء الشرعية على الأمر الواقع، وتبرير ممارسات السلطة، وإعادة إنتاج نفوذها تحت لافتة الوطنية.
بما يسمح بإخضاع الإرادة الشعبية وتوجيهها باسم الوطن، استنادًا إلى مفاهيم التفويض المصطنعة وشرعيات رمزية يجري إنتاجها وتوظيفها لتكريس الهيمنة، لا لحماية #الدولة بمفهومها المؤسسي والقانوني، بل لتحصين السلطة من المساءلة وإعادة إنتاج الوصاية بأدوات أكثر نعومة وأشد رسوخًا في بنية الوعي والمجتمع.
إذا كانت صناعة الوعي والإدراك وبناء القيادات من صميم وظائف الجامعات والأكاديميين، فإن عجز المؤسسات الأكاديمية عن أداء هذا الدور يطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى التعليم الجامعي وكليات العلوم السياسية والتاريخ وسائر التخصصات المعنية بفهم الدولة والمجتمع وصناعة القرار.
فإذا كانت أكاديمية واحدة قادرة على احتكار هذه الوظائف، فما الجدوى من بقية الجامعات ومراكز البحث العلمي، ولماذا تُخصَّص لها الميزانيات العامة؟
إن المعرفة لا تُحتكر، والوعي لا يُصنَع بالوصاية، والمؤسسات الأكاديمية لا تُكتسب قيمتها بادعاء التفوق المطلق، بل باستقلالها وتعدديتها وقدرتها على إنتاج الفكر النقدي.