المدرسة في الأقاليم الجنوبية: حين تكشف الأرقام الحاجة إلى سياسة تربوية عمومية أكثر إنصافاً ترابيا .
الحسين زاهدي
أستاذ التعليم العالي، خبير في السياسات التربوية العمومية
سننطلق في هذا المقال من تقرير المندوبية السامية للتخطيط “الأقاليم الجنوبية للمملكة: الدينامية الاقتصادية والاجتماعية” الصادر في شتنبر2025 لصياغة الأسئلة الأكثر ملاءمة على صانع السياسات العمومية في مجال التربية والتكوين
فهذا التقرير فضلا عما يحتويه من معطيات ومعلومات تخص التربية والتكوين في جهات أقاليم جنوب البلاد يستمد أيضا أهميته من كونه يأتي بعد عشر سنوات من انطلاق النموذج التنموي الجديد
فما هي اذن الأسئلة التي يمكن طرحها انطلاقا منه؟
لقد برزت لنا من خلال قراءة التقرير قضيتان مترابطتان هما التفاوتات المجالية في مستوى تعميم التمدرس، وتفاوت حجم الهدر المدرسي بين المجالات الترابية.
ثم صغنا انطلاقا منهما السؤال المركب التالي:
“إذا كانت الجهات تختلف في خصائصها الديموغرافية والاجتماعية والمجالية، فهل بمقدور سياسة عمومية تعليمية موحدة ان تستجيب بالكفاءة المطلوبة لمختلف حاجاتها وانتظاراتها؟ ”
انه بكل وضوح سؤال يربط قضايا التربية والتكوين بمنظور الجهوية المتقدمة.
1. من تعميم العرض المدرسي الى ترسيخ العدالة المجالية :
بلغ معدل تمدرس الأطفال في سن 6–11 سنة بالأقاليم الجنوبية الثلاثة سنة 2024 حوالي 96.4%. غير أن هذا المعدل كان في حدود 97% سنة 2014، بما يعني أن العقد الأخير لم يسجل تقدماً إجمالياً في هذا المؤشر، بل عرف تراجعاً طفيفاً.
لكن الرقم الأكثر دلالة يظهر عندما ننتقل من المتوسط العام إلى المقارنة بين الجهات.
فبين 2014 و2024 ارتفع معدل التمدرس في جهة كلميم واد نون من 96.1% إلى 97.1%.
وفي المقابل، تراجع في جهة العيون الساقية الحمراء من 97.7% إلى 96.6%.
أما جهة الداخلة وادي الذهب، فقد سجلت التراجع الأكبر، إذ انتقل المعدل من 98% إلى 93.9%، أي بانخفاض قدره 4.1 نقاط مئوية.
وهو ما يعكس تفاوتا مجاليا بينا بين الجهات الامر الذي يدفعنا للتساؤل حول نجاعة وفعالية اعتماد نفس السياسة وأدوات الاشتغال ونفس سلم الافضليات في المجال برمته
وهنا يتجاوز السؤال حدود الإحصاء. فالجهة التي تسجل تحسناً في التمدرس ليست بالضرورة في الوضع نفسه الذي تعرفه جهة يتراجع فيها المؤشر بأكثر من أربع نقاط.
وهذا هو جوهر مفهوم العدالة الترابية فليس المطلوب أن تحصل كل المجالات على التدخل نفسه، وإنما أن تحصل على ما تحتاج إليه لكي تحقق أهدافاً عادلة ومتكافئة.
2. المتوسط الجهوي قد يكون هو الشجرة التي تخفي الغابة :
وحينما ننقل المجهر من مستوى الجهة الى الإقليم فالصورة تزداد وضوحا بكل تأكيد.
ففي سنة 2024، تراوحت معدلات التمدرس بين 97.6% في طرفاية و94.3% في بوجدور. وسجلت سيدي إفني 97.5%، وكلميم 96.9%، وطانطان 96.8%، والعيون 97.3%، والسمارة 96.4%، وأسا الزاك 95.8%، وأوسرد 95.4%، ووادي الذهب 94.6%. ولكن تلك المعدلات المرتفعة لا ينبغي ان تحجب عنا حجم التفاوتات الموجودة بين المجالات الأقل اتساعا والتي هي الأقاليم كما اننا لا ينبغي ان نستهين بالـ 3.6% المتبقية عن التعميم الكامل فهي تخفي وراءها الاف من الأطفال الذين لازالوا خارج المدرسة.
وهنا تحديداً ينبغي أن تنتقل السياسة العمومية من سؤال:
كم تبلغ نسبة التمدرس؟
إلى أسئلة أكثر دقة:
أين توجد النسبة المتبقية؟ ومن هم الأطفال المعنيون؟ وما خصائص المجالات التي يوجدون فيها؟ ولماذا تعجز المدرسة عن الوصول إليهم؟
3. الولوج إلى المدرسة لا يعني بالضرورة البقاء فيها :
إذا كانت القضية الأولى تتعلق بالوصول إلى المدرسة، فإن القضية الثانية تتعلق بما يحدث بعد الوصول إليها.
وهنا يفتح تقرير المندوبية السامية للتخطيط ملف الهدر المدرسي.
فالمعطيات التي يقدمها التقرير حول جودة التمدرس تكشف أن الهدر لا يأخذ الحجم نفسه في مختلف المجالات. وعلى مستوى جهة كلميم واد نون، يشير التقرير إلى أن أعلى معدلات الهدر توجد في كلميم وطانطان، خصوصاً في التعليم الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي، استناداً إلى معطيات الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لسنة 2023.
وهذا المعطى مهم لأنه ينقلنا من سياسة الولوج إلى سياسة الاحتفاظ بالتلميذ داخل المدرسة. فالمدرسة التي تستقبل الطفل ثم تفقده في منتصف المسار ليست هي النموذج المطلوب.
لذلك، فإن تقويم السياسة التعليمية لا ينبغي أن يقيس فقط عدد الأطفال الذين يدخلون المدرسة، وإنما ينبغي أن يتتبع المسار التعليمي للمتعلم: الدخول، والاستمرار، والانتقال، والنجاح، ثم التخرج.
4. من سياسة تعليمية وطنية موحدة إلى سياسة تعليمية وطنية ذات حساسية مجالية :
وهنا نصل إلى السؤال الذي أعتقد أنه ينبغي أن يكون في صلب النقاش.
هل تعني وحدة السياسة التعليمية ضرورة تماثلها في جميع المجالات الترابية؟
الجواب، في تقديري، هو: لا.
إذا كانت وحدة السياسة التعليمية ضرورية لضمان وحدة المدرسة العمومية ووحدة المعايير والحقوق والمرجعيات الوطنية. فان ذلك لا يعني بالطبع تطابق السياسات والتدخلات في مجالات تختلف في بنياتها الديموغرافية والاجتماعية والجغرافية.
فالجهوية المتقدمة في المغرب ليست مجرد تقسيم إداري للخريطة؛ إنها اختيار مؤسساتي يروم جعل المجال الترابي فاعلاً في التنمية، مع توزيع للاختصاصات وفق مبدأ التفريع، وتعاون بين الدولة والجهات، وتدبير يراعي الخصوصيات الترابية. وينص القانون التنظيمي رقم 111.14 على أن الجهة تمارس اختصاصات ذاتية ومشتركة، وأن بعض الاختصاصات يمكن نقلها من الدولة إلى الجهة وفق مبدأ التفريع، ويذكر التعليم ضمن المجالات القابلة للنقل. وهذا مهم بالنسبة للسياسة التعليمية.
فإذا كانت الدولة مطالبة بضمان تكافؤ الفرص والإنصاف بين جميع المواطنين، فإن الجهات والمستويات الترابية الأقرب إلى الواقع ينبغي أن تكون قادرة على تكييف السياسات وتنزيلها وفق خصوصيات المجال.
وبعبارة أخرى:
نحتاج إلى سياسة تعليمية وطنية موحدة في الحقوق والأهداف والمعايير، لكنها ليست بالضرورة موحدة في التشخيص والأولويات ووسائل التدخل.
وهذه ليست دعوة إلى تفكيك السياسة التعليمية الوطنية أو إلى خلق مدارس جهوية متباينة في الجودة. بقدرما هي دعوة إلى التمييز بين وحدة السياسة من حيث المبادئ وتنوعها من حيث آليات التنفيذ والاستهداف.
فحتى عندما تظل الاختصاصات الاستراتيجية وطنية، فإن فعالية السياسة التعليمية تتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الإدارة التعليمية الجهوية والإقليمية على تشخيص المشكلات واتخاذ القرار وتعبئة الموارد والتنسيق مع الفاعلين الترابيين. لذلك، فإن المطلوب ليس فقط أن تصبح الجهات أكثر حضوراً في النقاش التعليمي، وإنما أن تصبح الحكامة التعليمية نفسها أكثر ترابية. أي أن يكون للجهة والإدارة التعليمية اللاممركزة مجال حقيقي لتكييف التدخلات مع حاجات المجال، ومع الحفاظ على وحدة الإطار الوطني كذلك.
5. الأقاليم الجنوبية تقدم حالة كاشفة :
ولعل أهمية الأقاليم الجنوبية في هذا النقاش تكمن خصوصا في أنها تقدم حالة واضحة يمكن من خلالها اختبار هذه الفكرة.
فتقرير المندوبية السامية للتخطيط نفسه يصف النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بأنه نموذج يقوم على رؤية مندمجة ومتعددة القطاعات، وعلى تثمين الخصوصيات المحلية والمجالية.
فإذا كانت التنمية الاقتصادية والاجتماعية تحتاج إلى استحضار خصوصيات المجال، فلماذا لا ينطبق المنطق نفسه بالدرجة ذاتها على السياسة التعليمية العمومية؟
إن المدرسة ليست مؤسسة معزولة عن مجالها. إنها تتأثر بالبنية الديموغرافية، وبالتوزيع السكاني، وبأنماط التمدن، وبالفقر والهشاشة، وبالنقل، وبالمسافة عن المؤسسات التعليمية، وبالتحولات الاجتماعية والديموغرافية.
وبالتالي، فإن السياسة التعليمية الترابية ليست ترفاً إدارياً، وإنما هي شرط من شروط فعالية السياسة العمومية.
6. من محاربة الهدر إلى الوقاية الترابية منه :
إذا كانت معطيات التقرير المذكور تكشف اختلاف حجم الهدر بين المجالات، فإن السؤال الذي يتعين طرحه هنا هو:
“لماذا نعالج الهدر المدرسي بسياسة عامة واحدة وموحدة إذا كانت أسبابه وتمظهراته تختلف ترابياً؟
فالإقليم الذي يعاني من صعوبة في الولوج ليس كالإقليم الذي تكمن مشكلته الأساس في الاحتفاظ بالمتعلمين داخل التعليم الإعدادي أو التأهيلي.
والتدخل الذي يصلح لمجال حضري كثيف ليس بالضرورة هو التدخل نفسه في مجال شاسع ومتباعد السكان.
لذلك، نحتاج إلى الانتقال من سياسة وطنية لمحاربة الهدر إلى سياسات ترابية للوقاية منه، داخل استراتيجية وطنية واحدة.
وهنا يمكن للجهوية واللاتمركز أن تتحولا من مجرد هندسة مؤسساتية إلى أداة لتحسين السياسة التعليمية.
7. ماذا ينبغي أن تضعه الحكومة المقبلة على أجندتها؟
لا أعتقد أن المطلوب هو إضافة برنامج جديد إلى البرامج القائمة.
فالمطلوب قبل ذلك هو إعادة طرح بعض الأسئلة حول طريقة صناعة السياسة التعليمية نفسها.
وأقترح، انطلاقاً من قراءة تقرير المندوبية السامية للتخطيط، أربعة مداخل:
أولاً: بناء مؤشر للإنصاف الترابي في التربية والتكوين
مؤشر لا يكتفي بالمعدل الوطني أو الجهوي، وإنما يكشف الفوارق بين الأقاليم والمجالات والفئات.
ثانياً: بناء نظام وطني منسجم لتتبع الهدر المدرسي
بحيث تصبح المقارنة بين الجهات والأقاليم ممكنة، بنفس التعريف والسنة المرجعية والمنهجية.
ثالثاً: اعتماد سياسات ترابية للوقاية من الانقطاع
تحدد الأولويات بحسب طبيعة المشكلة في كل جهة وإقليم، بدل الاكتفاء بتدخلات عامة متشابهة.
رابعاً: تعزيز التكييف الترابي للسياسة التعليمية العمومية
بما يسمح للإدارة التعليمية الجهوية والمصالح اللاممركزة، وبالتنسيق مع الجهات وباقي الفاعلين الترابيين، بتحويل السياسة الوطنية إلى تدخلات تستجيب فعلاً لخصوصيات المجال.
8. من تقرير للمندوبية إلى قضية للسياسة العمومية :
ربما تكون القيمة الحقيقية لهذا التقرير أنه يسمح لنا بأن ننتقل من قراءة وضعية التعليم إلى مساءلة طريقة بناء السياسة التعليمية العمومية.
لا تقول لمعطيات لنا فقط إن هناك تفاوتات في التمدرس والهدر المدرسي.
ولكنها تقول شيئاً أعمق:
إن المجال الترابي نفسه أصبح متغيراً أساسياً في تفسير النتائج التعليمية العمومية.
وهذا يقتضي أن يصبح أيضاً متغيراً أساسياً في تصميم السياسة التعليمية العمومية.
فالجهوية المتقدمة لا ينبغي أن تظل منفصلة عن السياسة التعليمية، كما لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتفكيك وحدة المدرسة الوطنية.
ان المطلوب اذن هو صيغة أكثر توازناً:
دولة تضمن وحدة الحقوق والمعايير والإنصاف وجهات ومصالح لا ممركزة تساهم في التشخيص والتخطيط والتكييف والتنفيذ وسياسات ترابية تستجيب لاختلاف الحاجات دون أن تنتج تفاوتاً في الحق في تعليم مستدام وذي جودة.
وهذا، في تقديري، هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من معطيات الأقاليم الجنوبية الواردة في تقرير المندوبية السامية للتخطيط.