دينامية المجال والجسد في الحملات الانتخابية ل23 شتنبر 2026، من القرب السوسيو مجالي الى رهان الفعالية التشريعية والتنمية الترابية بالمغرب.
د. عبداللطيف الإدريسي .
مقدمة:
شكلت الحملات الانتخابية لتشريعات 2026 منعطفا دالا في تاريخ الممارسة السياسية والتواصل الانتخابي، فقد تميزت هذه المحطة ( ونحن على بعد ساعتين من انتهاء الحملات الدعائية) بقطيعة بصرية وسلوكية مع البراديغم الكلاسيكي للحملات الانتخابية؛ حيث هجر الفاعلون السياسيون القاعات المغلقة والمكيفة احيانا ( علما ان درجات الحرارة لازالت مرتفعة نهارا وليلا خلال هذا الشهر) والبدلات الأنيقة لينخرطوا في دينامية استقطاب ميدانية تعتمد على استعراض الجسد في الفضاءات المفتوحة ( الأسواق الأسبوعية، الساحات العمومية، الأزقة ….) عبر إرتداء الأقمصة الرياضية..الملابس التقليدية حسب كل مجال …وتأدية الرقصات الشعبية المغربية….وتقاسم موائد الطعام البسيطة.
ونسعى من خلال هذه الورقة العلمية إلى تفكيك هذه الظاهرة معتمدا في ذلك على المقاربة السوسيو مجالية ، بتجاوز القراءة السطحية التي نسميها بالشعبوية او الفلكلور، لنبحث في كيفية توظيف المجال والجسد سياسيا، مع مساءلة قدرة هذا القرب التكتيكي على التحول الى واقعة للتنمية الترابية ورافدا للفعالية التشريعية، املا في تجاوز اعطاب التجارب البرلمانية السابقة.
أولا: إعادة احتلال الفضاء العام، وتفكيك الهابيتوس السياسي التقليدي.
ان الإنتقال من المقر الحزبي الى الاسواق الأسبوعية، والشوارع، والازقة والساحات العمومية ، وفضاءات الماكولات الشعبية وزيارة مايسمى بالمناضلين القدماء بمنازلهم …ليس مجرد تغير في مسار الحملة الانتخابية، بل هو إعادة هيكلة سوسيومجالية للفعل السياسي (!!!!).
1.المركزية السوسيو مجالية للاسواق بالمدينة، والاسواق الأسبوعية بالبوادي و المراكز شبه حضرية…
في السوسيولوجيا الحضرية والقروية المغربية، لا يعتبر السوق مجرد فضاء للتبادل الاقتصادي بل هو *اغورا*Agora* مجتمعية تتكتف فيها العلاقات، وتبنى فيها التحالفات، وتختبر فيها موازين القوى، اقتحام المرشحين لهذا الفضاء ( الفضاءات) مع محاولة لاختراق البنية الاجتماعية في نواتها الصلبة،حيث يتحول الناخب من مجرد رقم في صندوق الاقتراع الى شريك في الفضاء العمومي.
2.سوسيولوجيا الجسد و مسرحية التواضع: ان التخلي عن ربطة العنق، والبدلات الرسمية لصالح القميص الرياضي الموحد ( الجيلي) هو عملية نزع القداسة السلطوية عن الفاعل السياسي،البدلة تمثل عنفا رمزيا يكرس المسافة بين النخبة والكتلة الناخبة، اما القميص الرياضي والرقص التلقائي والالبسة التقليدية المحلية… تمثل محاولة هندسية لإعادة تشكيل الجسد السياسي ليبدو مرنا ، حركي،ومندمجا في ثقافة الجموع… في طقوس الاستهلاك المشترك؛ الجلوس في المقاهي بما فيها الشعبية، وتقاسم الاكل يمثل في المخيال المغربي ميثاقا ضمنيا للامان والتقارب ( الملح والطعام) إنه توظيف لرمزية الغداء لإنتاج الفة مصطنعة تذيب الفوارق الطبيعية ولو في الزمن الانتخابي.
ثانياً:من الاستعراض المجالي الى حتمية التنمية الترابية: اذا كانت هذه الممارسات السوسيو مجالية ناجحة تكتيكيا في استمالة الناخبين، ورفع نسب المشاركة، فإن التحدي الاكبر والحقيقي يكمن فيما بعد 23 شتنبر 2026, فالفضاءات التي رقص فيها المرشحون واكلوا فيها هي نفسها المجالات الترابية التي تعاني الهشاشة،ضعف وغياب البنيات التحتية، واختلالات التنمية الحضرية والقروية….
2 – العدالة المجالية ….
ثالثا: العقلية التشريعية ورهان القطيعة مع اخفاقات الماضي.: حسب ماكس فيبر يجب ان تنتقل الممارسة السياسية بعد الانتخابات من شرعية الفعل العاطفي ( الرقص، الاحتفال.. العفوية…الى شرعية الفعل العقلاني القانوني داخل قبة البرلمان، التجربة التشريعية الماضية عانت من اعطاب تتعلق بضعف المبادرة التشريعية، الغياب عن الجلسات، وضعف القدرة الترافعية. ..
خاتمة:
إن المقاربة السوسيو مجالية لحملة تشريعيات 2026 تكشف لنا أن المجتمع المغربي يتوق إلى فاعل سياسي قريب يشاركه همومه، وفضاءه اليومي، غير ان هذا القرب الرمزي والتواصلي سيبقى مجرد فلكلور عابر اذا لم يتوج بعقلانية سياسية وفعالية تشريعية حقيقية.
ان مغرب الغد لايبنى فقط بالرقص في الاسواق والفضاءات العمومية…واجتذاب الاعجاب….بل يبنى لصناعة تشريعات صارمة، وسياسات تنموية ترابية عادلة، ونخب سياسية تدرك أن مقعد البرلمان هو تكليف ثقيل، وليس مجرد حمل لقب مؤقت…..