مدونة الأسرة بين الإصلاح وثوابت المملكة: الإصلاح نعم..ولكن لا أحد فوق الدستور والثوابت .
بقلم: المهندس عبد الله أيت شعيب.
تابعت باهتمام النقاش المتجدد حول مراجعة مدونة الأسرة، وما رافقه من تصريحات ومواقف *للأستاذ عبد اللطيف وهبي، وزير العدل وقيادي حزب الأصالة والمعاصرة*، بشأن مراجعة وتعديل عدد من مقتضياتها، إلى جانب مواقف وتصريحات أثارت جدلاً واسعاً حول قضايا ذات حساسية بالغة بالنسبة للمجتمع المغربي…
واللافت في خطاب الأستاذ عبد اللطيف وهبي، وفي النبرة التي يتحدث بها عن التغيير الجذري لمدونة الأسرة، أنه يعطي في بعض تصريحاته انطباعاً وكأن الأمر يتعلق بإرادة سياسية تملك كل الصلاحية لإعادة صياغة قواعد الأسرة والمجتمع وفق تصور ليبرالي مفتوح، دون استحضار كافٍ للقيود الدستورية والمرجعيات الدينية والثوابت التي تؤطر التشريع في المملكة المغربية.
وهنا مكمن الإشكال الحقيقي.
فالمغرب ليس دولة ليبرالية مفتوحة بلا حدود وبلا مرجعيات، وليس أي وزير أو حزب أو أغلبية برلمانية مخولة لفرض تصورها الخاص على المغاربة وكأنها تمتلك السلطة المطلقة.
لدينا دستور، ولدينا ثوابت دينية ووطنية، ولدينا مؤسسة إمارة المؤمنين، ولدينا مؤسسات دستورية مختصة، ولدينا مجتمع مسلم له مرجعيته وقيمه وتاريخه.
لذلك، فإن الحديث عن الإصلاح والتغيير يجب أن يكون مقروناً دائماً بسؤال أساسي: إلى أي حد يمكن أن يذهب هذا التغيير؟ وما هي المرجعية التي تضبطه؟ ومن يملك دستورياً وشرعياً صلاحية الحسم في القضايا التي تمس الأحكام الدينية؟
أما أن يُقدَّم التغيير الجذري وكأنه مشروع إرادة فردية أو حزبية لا حدود لها، فذلك يطرح إشكالاً أكبر من مجرد تعديل مادة أو مادة أخرى في مدونة الأسرة.
إنه يطرح سؤالاً حول احترام طبيعة الدولة المغربية نفسها.
فالوزير، مهما كانت صلاحياته، لا يحكم وحده؛ والحكومة لا تملك تفويضاً مطلقاً؛ والأغلبية البرلمانية، مهما كانت قوتها، لا تعلو على الدستور وثوابت المملكة، ولا يجوز لأي تشريع أو ممارسة أن تتجاوز أحكام الدستور وثوابت المملكة ومرجعيتها الدينية.
وبالتالي، في دولة إمارة المؤمنين، لا يمكن أن تتحول إرادة أي مسؤول أو حزب أو أغلبية سياسية إلى مرجعية فوق الدستور والدين وثوابت الأمة.
ومن حيث المبدأ، فإن مراجعة القوانين ليست أمراً محرماً ولا مقدساً؛ فالقانون الوضعي قابل للتطوير كلما كشفت الممارسة عن اختلالات أو مستجدات تستوجب المعالجة.
ولا أحد يمكنه أن يعترض على إصلاح يهدف إلى تحقيق العدل، وحماية المرأة والطفل، وتقوية الأسرة، ومعالجة الإشكالات التي أفرزها تطبيق المدونة خلال السنوات الماضية.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين إصلاح القانون وتطويره داخل الإطار الدستوري والمرجعيات الوطنية، وبين التعامل مع مدونة الأسرة وكأنها ورقة مفتوحة يمكن لأي حكومة أو وزير أو حزب أن يعيد صياغتها وفق اختياراته السياسية أو الإيديولوجية، لا لشيء إلا لانه يملك أغلبية برلمانية..
الحمد لله على نعمة الملكية وإمارة المؤمنين، صمّام أمان المغرب ووحدته وثوابته؛ فلولاها، لكان المغرب ــ لا قدر الله ــ عرضة لانزلاقات وصراعات لا تُحمد عقباها.
وفي خضم هذا النقاش، لا يسعني إلا أن *أحمد الله على نعمة الملكية وإمارة المؤمنين، وعلى الدور الذي تضطلع به المؤسسة الملكية في الحفاظ على توازن الدولة ووحدتها وثوابتها.*
فالمغرب، بفضل هذا البناء التاريخي والدستوري، لم يجعل السلطة السياسية رهينة لمنطق الغلبة المطلقة للأغلبية البرلمانية، ولم يجعل تغيير الحكومات أو تبدل موازين القوى الانتخابية مدخلاً لإعادة صياغة هوية الدولة في كل مرحلة.
ولنتصور، فقط على سبيل الافتراض، ماذا كان يمكن أن يحدث لو كانت الأغلبية السياسية تمتلك سلطة مطلقة لا يحدها دستور، ولا ثوابت، ولا مؤسسات ضامنة للتوازن.
كان يمكن للخلاف السياسي أن يتحول إلى منطق إقصاء وانتقام وتصفية حسابات، وكان يمكن للاختلاف حول المرجعية الإسلامية أن يتحول إلى صراع حول هوية الدولة نفسها.
والله، لو كان الأمر متروكاً لسلطة الأغلبية وحدها، بعيداً عن الضوابط الدستورية والمؤسسات الضامنة للتوازن، ومع هذه النبرة التي يتحدث بها الأستاذ وهبي والتي قد يفهم منها إصراره على التغيير الجذري بدون قيود، لتساءلنا بقلق عمّا كان يمكن أن يحدث للمعارضين وللتيارات السياسية المخالفة.
ولنتذكر ما عاشه المغرب عقب أحداث 16 ماي 2003، حين صدرت بالفعل مطالب من داخل الحكومة آنذاك بحل حزب العدالة والتنمية؛ وهي محطة تكشف أن الاستقطاب السياسي كان يمكن أن يدفع الأمور إلى مسارات أكثر خطورة لو غابت الضوابط والتوازنات.
وأنا لا أتحدث هنا كمراقب من بعيد عن تلك الاحداث، وإنما أتحدث عن تجربة شخصية عشت مرارتها في تلك المرحلة على مستوى إقليمنا؛ فقد تعرضت لتهديدات بتلفيق تهمة ثقيلة ضدي، وأصبحت، في فترة من الفترات، شخصاً منبوذاً يخشى عدد من المنتخبين حتى من لقائي أو التواصل معي.
بل إنني عايشت ما هو أشد من ذلك؛ فقد طلب مني عدم الترشح للانتخابات الجماعية 2003، وكان بعض الأعيان يُستدعون من طرف السلطة، ويُقال لهم، بحسب ما نقلوه لي، إن فلاناً «إرهابي»، مع تحذيرهم من التصويت عليه في الانتخابات الجماعية.
ولذلك أقول: الحمد لله على الملكية وإمارة المؤمنين، وعلى مؤسسة دستورية تقف فوق التجاذبات الحزبية، وتحول دون أن تتحول الأغلبية السياسية إلى سلطة مطلقة تُقصي المخالفين أو تفرض على المجتمع توجهاتها دون سقف دستوري أو مرجعي.
وهنا أضيف نقطة مهمة: إن الملكية الدستورية وإمارة المؤمنين ليستا ضمانة لتيار سياسي دون آخر، بل هما، في إطار الدستور، جزء من منظومة تحمي التعددية وحق الاختلاف.
وبنفس المنطق، لو أفرزت صناديق الاقتراع أغلبية ذات توجه إسلامي متشدد، فإن الدستور والمؤسسات يظلان ضمانة لليبراليين والاشتراكيين واليساريين وسائر التيارات؛ والعكس صحيح.
وهنا تكمن أهمية أن تكون الدولة أوسع من الحكومة، وأوسع من الحزب الفائز، وأوسع من أي أغلبية برلمانية عابرة.
فلو غابت هذه الضمانات، لا قدر الله، لكان من الممكن أن تنزلق الخلافات السياسية والفكرية إلى الإقصاء وربما إلى التضييق على المعارضين والزج بهم في السجون.
لكن المغرب اختار طريقاً آخر.:
اختار الملكية الدستورية، واختار إمارة المؤمنين، واختار التعددية السياسية، واختار المؤسسات والقانون، وأقام توازناً بين الشرعية الانتخابية والثوابت الدستورية والدينية للدولة.
وهنا تكمن، في نظري، إحدى أهم خصوصيات النموذج المغربي.
لقد عرفت دول ومجتمعات أخرى تجارب مؤلمة حين تحول الصراع السياسي إلى صراع على الدولة والمجتمع والهوية، وانتهى في كثير من الحالات إلى انقسامات حادة وعنف واعتقالات واسعة وتصفية حسابات سياسية، وإلى حكم ديكتاتوري (تونس، ليبيا، مصر، سوريا، نموذجا).
والمغاربة، في رأيي، محظوظون بأن لديهم مؤسسة ملكية وإمارة للمؤمنين تشكلان أحد عناصر الاستمرارية والتوازن في الدولة.
ولهذا فإن الحفاظ على هذه المعادلة ليس دفاعاً عن الماضي ضد المستقبل؛ بل هو دفاع عن مستقبل مغربي متوازن.
ومن هنا، فإن دعوتي إلى المؤسسة الملكية ليست دعوة إلى التدخل في كل تفصيل تشريعي، وإنما إلى *الحرص، في إطار الاختصاصات الدستورية، على صيانة المرجعيات الوطنية والثوابت الدينية والوطنية للمملكة، وعلى منع أي انزلاق نحو تجاوز الدستور أو المساس بالأسس التي يقوم عليها النموذج المغربي.*
ولهذا فإنني لا أرفض مراجعة مدونة الأسرة، بل أطالب بأن تكون المراجعة عميقة، عقلانية، عادلة، مؤسساتية، ومنسجمة مع الدستور والشريعة الإسلامية ومقاصدها ومع خصوصيات المجتمع المغربي.
نعم للإصلاح عندما يكون إصلاحاً.
نعم للاجتهاد عندما يكون اجتهاداً علمياً مسؤولاً.
نعم للحداثة عندما تكون حداثة تحترم الإنسان والهوية معاً.
لكن لا لأي مسؤول، مهما كانت صفته، أن يتعامل مع مدونة الأسرة وكأنها مشروع حزبي أو مجال مفتوح بلا سقف دستوري وديني.
إن المغرب لا يحتاج إلى معركة بين الإسلام والحداثة، ولا إلى صراع بين الديمقراطية والمرجعية الدينية.
بل يحتاج إلى أن يثبت أن بإمكانه أن يكون دولة حديثة وديمقراطية ومنفتحة، وفي الوقت نفسه دولة مسلمة معتزة بهويتها، بثوابتها، وبإمارة المؤمنين.
حفظ الله المغرب، وحفظ جلالة الملك محمد السادس أمير المؤمنين، وصان الله وطننا من كل فتنة وانقسام، وألهم الجميع ما فيه خير البلاد والعباد.