مجهر الصحراء : قضايا وطنية .
سقوط المنارة : كيف أصبح رجال التعليم أداة لتكريس نفوذ العائلات الانتخابية .
بقلم : ذ.محمد اوريش، استاذ وبرلماني سابق.
كان رجل التعليم، في الوعي المغربي، أكثر من مجرد موظف يؤدي وظيفة داخل الفصل الدراسي ، لقد كان مدرساً ومثقفاً ومربياً، وحاملاً لقيم المعرفة والكرامة والحرية. وفي مراحل كثيرة من تاريخ المغرب، كان رجال التعليم في مقدمة الأصوات التي دافعت عن المدرسة العمومية، والعدالة الاجتماعية، والحق في الكرامة، وحرية التفكير.
لكن المشهد السياسي والاجتماعي اليوم يطرح مفارقة مؤلمة : فبينما لا يزال الكثير من نساء ورجال التعليم يؤدون رسالتهم بشرف، يظهر في بعض الاستحقاقات الانتخابية سلوك مغاير لدى فئة محدودة منهم، حين ينخرطون في حملات انتخابية هدفها، تلميع صورة أصحاب النفوذ وتقديمهم للمواطنين باعتبارهم الخيار الوحيد أو الأفضل.
المشكلة هنا ليست في ممارسة رجل التعليم لحقه السياسي؛ فهذا حق مشروع ، وليست في انتمائه الحزبي أو دعمه لمرشح يقتنع به. وإنما تكمن المشكلة حين تتحول المكانة الاجتماعية التي اكتسبها بفضل مهنته وثقة الناس فيه إلى وسيلة للتأثير على اختيارات المواطنين، أو لتبييض صورة نخب سياسية استمرت طويلاً في مواقع النفوذ رغم الحصيلة التي يراها المواطنون سلبية.
من صناعة الوعي إلى صناعة الصورة
المفارقة أن من يفترض فيه أن يساعد المواطن على التفكير النقدي، قد يتحول أحياناً إلى جزء من ماكينة سياسية تقوم على صناعة الصورة بدل مناقشة الحصيلة.
فبدلاً من أن يكون السؤال: ماذا قدم هذا المنتخب؟ ماذا أنجز؟ ماذا فعل لمعالجة البطالة والفقر والغلاء؟ كيف دبر المال العام؟ ماذا فعل لتحسين الخدمات؟ تصبح المعركة الانتخابية أحياناً معركة شعارات وصور وعلاقات شخصية وشهادات تزكية يقدمها أشخاص يحظون باحترام المجتمع.
وهنا تكمن خطورة توظيف المكانة الرمزية لرجل التعليم.
فالمواطن البسيط قد لا يثق في الخطاب السياسي التقليدي، لكنه قد يثق في أستاذ يعرفه أو سبق لأبنائه أن درسوا عنده. وعندما يستخدم هذا الرصيد الاجتماعي لتقديم مرشح معين باعتباره “رجل الدولة” أو “رجل التنمية” أو “الخيار الذي لا بديل عنه”، فإن التأثير قد يتجاوز مجرد التعبير عن رأي سياسي شخصي.
أولاد تايمة: نموذج يستحق النقاش :
في مدينة أولاد تايمة، يكتسي هذا النقاش أهمية خاصة، بالنظر إلى الحضور التاريخي لعائلات ووجوه سياسية ارتبط اسمها لعقود بتدبير الشأن الانتخابي والمحلي.
وقد ظل اسم عائلتي قيوح وبودلال حاضراً بقوة في المشهد السياسي والانتخابي بالمدينة والمنطقة، قبل أن تظهر خلال السنوات الأخيرة أسماء وفاعلون جدد يسعون إلى دخول المنافسة السياسية وتقديم أنفسهم كبديل عن النخب التقليدية.
واليوم، ومع الاستحقاقات الانتخابية الجديدة، يبرز اسم عائلة كبور الماسي أيضاً ضمن المشهد الذي يعرف تنافساً سياسياً واضحاً.
لكن القضية الحقيقية ليست في اسم العائلة، ولا في حق أي عائلة أو شخص في الترشح والانتخابات؛ فالانتخابات حق دستوري للجميع. القضية التي ينبغي أن يطرحها المواطن هي:
هل ننتخب الأشخاص بسبب أسمائهم وعائلاتهم وعلاقاتهم، أم بسبب برامجهم وحصيلة أعمالهم وقدرتهم على خدمة المدينة؟
وهل نريد أن تبقى السياسة مجالاً تنتقل فيه مواقع النفوذ من عائلة إلى أخرى، أم نريد أن تصبح الانتخابات مناسبة حقيقية لتجديد النخب وإعطاء الفرصة للكفاءات الجديدة؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ..!
إن أخطر شيء على الديمقراطية ليس فقط المال الانتخابي أو استغلال النفوذ، وإنما أيضاً إقناع المواطن بأن لا بديل موجود.
عندما يُقال للمواطن إن فلاناً هو الوحيد القادر على تدبير الشأن العام، وإن عائلة معينة هي الأقدر على تمثيل المدينة، وإن الوجوه الجديدة لا تجربة لها، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج للمنظومة نفسها، ولو تغيرت الشعارات والأسماء.
وهنا يصبح دور بعض الشخصيات ذات المكانة الاجتماعية، ومن ضمنها بعض رجال التعليم، بالغ الحساسية.
فبدلاً من أن يقول الأستاذ للمواطن : “قارن البرامج والحصائل، واسأل عن المال العام، وراقب منجزات المنتخبين، ثم اختر من تراه الأصلح”، قد يتحول إلى داعية لمرشح بعينه، مستعملاً رصيده المعنوي لإقناع المواطنين.
وهذا، إن حصل، لا يخدم الديمقراطية؛ بل يضعفها.
لا مشكلة في رجل التعليم السياسي… المشكلة في فقدان الاستقلالية
من المهم التأكيد أن تحميل رجال التعليم مسؤولية المشهد السياسي برمته سيكون ظلماً.
هناك مدرسون وأساتذة ومناضلون من رجال ونساء التعليم اختاروا الانخراط السياسي لأنهم يؤمنون بالتغيير، وقدموا تضحيات كبيرة دفاعاً عن قضايا المجتمع. كما أن ممارسة رجل التعليم للعمل السياسي حق لا ينبغي المساس به.
لكن الفرق كبير بين المشاركة السياسية الواعية وبين التحول إلى أداة دعائية لفائدة أصحاب النفوذ.
الأول ممارسة ديمقراطية مشروعة.
أما الثاني فيطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً حول حدود استعمال الثقة الاجتماعية والمهنية في المعركة الانتخابية.
المدينة لا تحتاج إلى “عائلات حاكمة”
أولاد تايمة، مثل غيرها من المدن المغربية، لا ينبغي أن تكون رهينة لتنافس العائلات على مواقع النفوذ.
المدينة تحتاج إلى منتخبين ينظرون إلى المستقبل، لا إلى موازين القوى القديمة.
تحتاج إلى من يضع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مقدمة أولوياته، ويعمل على تحسين الخدمات، وجلب الاستثمار، ودعم الشباب، وتأهيل البنية التحتية، ومعالجة مشكلات النقل والنظافة والتعمير والبيئة، والدفاع عن مصالح المدينة بدل تحويل الانتخابات إلى مناسبة لتجديد الولاءات.
فالسياسة الحديثة لا ينبغي أن تقوم على سؤال: من هي العائلة التي ستفوز ؟
بل على سؤال أكثر أهمية :
ما المشروع الذي سيخرج أولاد تايمة من حالة الانتظار إلى حالة التنمية ؟
رسالة إلى رجال التعليم :
إلى كل رجال ونساء التعليم اختاروا الانخراط في الحياة السياسية، لا أحد يطلب منكم اعتزال السياسة، ولا التخلي عن حقكم في دعم من تؤمنون به.
لكن المجتمع ينتظر منكم شيئاً أكبر.
أن تكونوا صوت العقل لا صدى النفوذ.
أن تعلموا المواطن كيف يختار، لا من يختار .
أن تسألوا المرشح عن حصيلته قبل أن تمدحوا شخصه.
أن تطالبوا بالشفافية قبل الولاء.
أن تدافعوا عن المصلحة العامة قبل المصالح الانتخابية.
فالمعلم الذي يربي تلميذه على التفكير النقدي لا ينبغي أن يقبل بأن يتحول هو نفسه إلى أداة في عملية تقوم على تعطيل التفكير النقدي لدى الناخب.
زمن جديد أم إعادة إنتاج للماضي؟
لقد بدأت تظهر في كثير من المدن المغربية فئات جديدة من المواطنين، من أبناء المدينة نفسها، تحمل طموحاً مختلفاً؛ فئات لا تريد أن ترث السياسة كما ترث الضيعات، ولا ترى في الانتخابات مناسبة لتجديد نفوذ عائلة أو شبكة مصالح، وإنما تعتبرها وسيلة لإنتاج نخب جديدة قادرة على تحقيق التنمية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهؤلاء يستحقون فرصة حقيقية.
ليس لأنهم ينتمون إلى جيل جديد فحسب، وإنما لأن الديمقراطية لا تعيش من دون تداول فعلي على المسؤولية.
والتداول لا يعني فقط تغيير الأشخاص داخل المنظومة نفسها، بل يعني تغيير طريقة التفكير في السياسة: من منطق الولاء للأسماء والعائلات إلى منطق الكفاءة والحصيلة والبرنامج.
الكلمة الأخيرة
إن معركة أولاد تايمة اليوم لا ينبغي أن تكون معركة ضد عائلة بعينها، ولا ضد رجل تعليم بعينه، ولا ضد أي فئة اجتماعية.
إنها معركة من أجل سؤال أكبر :
هل تريد المدينة أن تظل أسيرة شبكات النفوذ الانتخابي، أم تريد أن تفتح الباب أمام جيل جديد من أبنائها لبناء نموذج سياسي قائم على الكفاءة والتنمية والكرامة؟
وإذا كان بعض رجال التعليم قد اختاروا ، لأسبابهم الخاصة، الوقوف في صف أصحاب النفوذ، فإن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا ننسى أن الغالبية العظمى من رجال ونساء التعليم ما زالوا يؤمنون بأن رسالتهم الأساسية هي بناء الإنسان الحر القادر على التفكير والاختيار.
ولذلك فإن المطلوب ليس مهاجمة مهنة التعليم، وإنما استعادة الدور التنويري لرجل التعليم.
فالمجتمع لا يحتاج إلى أستاذ يشرح له لماذا ينتخب فلاناً.
إنه يحتاج إلى أستاذ يساعده على طرح السؤال الأهم :
لماذا ننتخب؟ ومن يستحق أصواتنا؟ وماذا قدم لنا فعلاً؟
عندها فقط تصبح الانتخابات وسيلة للتغيير، لا آلية لإعادة إنتاج النفوذ.