مجهر الصحراء : أخبار وطنية.
اليوم الوطني لمغاربة العالم بين الاحتفاء الرمزي والتحديات الواقعية .
يحتفي المغرب في 10 غشت من كل سنة بـ “اليوم الوطني لمغاربة العالم”، وهي مناسبة رمزية للاعتراف بدور أكثر من 5 ملايين مغربي ومغربية يعيشون خارج الوطن ، مناسبة تتكرر فيها خطابات التقدير، وتُرفع فيها شعارات “الجسر الرابط بين المغرب والعالم”. لكن السؤال الذي يطرح نفسه كل سنة : هل يعكس هذا الاحتفاء الواقع الفعلي للمهاجر المغربي؟
1 – دور محوري… وأرقام لا تكذب :
لا أحد ينكر الثقل الاقتصادي والاجتماعي لمغاربة العالم ، فهم يشكلون شرياناً حيوياً للاقتصاد الوطني.
تحويلاتهم المالية سجلت أرقاماً قياسية تجاوزت 115 مليار درهم سنة 2024، متجاوزة بذلك عائدات قطاعات استراتيجية كالسياحة ومداخيل الفوسفاط.
إلى جانب ذلك، يساهم المهاجرون في الإشعاع الثقافي للمغرب، وفي نقل الخبرات والكفاءات، وفي فتح أسواق جديدة للمنتوج المغربي في الخارج.
هنا، يتحول المهاجر من “فرد غادر الوطن بحثاً عن لقمة العيش” إلى “فاعل تنموي” شريك في بناء المغرب.
2 – الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي :
ورغم هذا الدور، يبقى الواقع الذي يعيشه كثير من المهاجرين معقداً ومتشعباً :
أولاً : على مستوى الإدماج في بلدان الاستقبال :
يواجه الجيل الأول تحديات لغوية واجتماعية، بينما يعاني جيل الشباب من “أزمة الهوية”: بين الانتماء لبلد الآباء والاندماج في بلد الازدياد ، إضافة إلى مشكل التمييز وصعوبة الاعتراف بالشواهد والضغط النفسي ، قضايا لا تزال حاضرة.
ثانياً : على مستوى العلاقة مع الوطن :
هنا تظهر أكبر المفارقات، فبينما تطالب الدولة المهاجر بالاستثمار والعودة، يصطدم هذا الأخير بعدة عراقيل منها تعقيدات إدارية، غموض في القوانين الخاصة بالعقار والاستثمار، وضعف في الخدمات القنصلية في بعض الدول.
كما أن ملفات حساسة مثل التقاعد، التغطية الصحية، والاستفادة من برامج السكن ما زالت تطرح إشكالات حقيقية لكثير من الأسر.
3 – اليوم الوطني فرصة للمراجعة لا للاحتفال فقط :
لا يجب أن يتحول اليوم الوطني إلى مجرد صور وتصريحات ، بل يجب أن يكون لحظة صدق ومراجعة.
والمطلوب اليوم هو الانتقال من منطق “الاحتفاء” إلى منطق “التمكين”. تأسيسا على ما يلي :
1 – تبسيط المساطر من خلال تقريب ورقمنة الخدمات القنصلية من المهاجر ، وحل معضلة “الملفات العالقة” في الإدارات.
2 – تحفيز حقيقي للاستثمار ليس فقط بالخطاب، بل بتقديم ضمانات قانونية واضحة، وبنوافذ استثمار تتلاءم مع تطلعات المهاجر.
3 – الاعتراف بالكفاءات من خلال إشراك الكفاءات المغربية في الخارج في صياغة السياسات العمومية، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والتكنولوجيا.
4 – الاهتمام بالجيل الجديد من خلال برامج تربط أبناء المهاجرين باللغة والثقافة المغربية، بعيداً عن الشعارات.
إن مغاربة العالم لم يكونوا يوما “بقرة حلوب” للتحويلات ، وليسوا ضيوفاً على الوطن يعودون كل صيف ،
إنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، وحقهم في الإنصاف والكرامة داخل وخارج المغرب هو حق مشروع.
والاحتفاء باليوم الوطني يجب أن يكون تذكيراً للدولة بأن العلاقة مع الجالية يجب أن تبنى على شراكة حقيقية تقوم على الحقوق والواجبات معاً.
فبقدر ما ينتظر الوطن من أبنائه في الخارج، فهم أيضا ينتظرون من وطنهم أن يحتضنهم ويصون كرامتهم.
هنا فقط سيتحول هذا اليوم من “ذكرى” إلى “مشروع”.