مجهر الصحراء مجال العدل:والقضاء .
بقلم :مصطفى المنوزي
رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي
قراءة سوسيو-سيميائية في تعليل محكمة الاستئناف بالعيون وتداعياته على استقلال القضاء وفصل السلط .
إن توصيف القرار القضائي بأنه “سياسي” ليس حكماً يطلق جزافاً، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للمساس باستقلال السلطة القضائية، خاصة في مرحلة يسعى فيها المغرب إلى ترسيخ استقلالها عن السلطة التنفيذية. ولذلك فإن أي نقاش مسؤول يقتضي الانطلاق أولاً من معيار قانوني دقيق، يتمثل في البحث عن مدى قيام الخطأ القضائي، سواء في صورته المرفقية أو الشخصية، لأن ثبوت هذا الخطأ هو وحده الذي يفتح المجال للتساؤل حول ما إذا كانت بعض الأخطاء القانونية قد تجاوزت حدود الاجتهاد القضائي لتتحول إلى رسائل سياسية أو أمنية غير معلنة.
ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الأمر بمحاكمة نوايا القضاة، وإنما بتحليل الخطاب القضائي نفسه بوصفه خطاباً مؤسساً للسلطة، ينتج المعنى، ويوزع الشرعية، ويعيد رسم الحدود بين الحقوق والحريات ومتطلبات النظام العام. فالتعليل القضائي ليس مجرد تقنية قانونية، بل هو، في التحليل السوسيو-سيميائي، علامة اجتماعية وسياسية تعكس تمثلات المؤسسة القضائية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والحقوق.
لقد سبق تسجيل عدد من المؤاخذات القانونية الجوهرية على التعليل، من بينها ترجيح مبدأ استمرارية المرفق القضائي على حق الدفاع، والتوسع في تأويل مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، والاعتماد على المادة 39 من قانون المحاماة رغم الجدل الدستوري الذي يحيط بها، وإغفال مبادئ هافانا لسنة 1990، وعدم إجراء اختبار حقيقي للتناسب بين انتظام المرفق القضائي وضمانات المحاكمة العادلة. غير أن ما يستوقف النظر أكثر ليس هذه المؤاخذات في ذاتها، وإنما الدلالات السيميائية التي يحملها التعليل، والتي تكشف انتقاله من خطاب قضائي إلى خطاب ذي حمولة سياسية ومهنية.
وسنقتصر هنا على ملاحظتين تبدوان كاشفتين لهذا التحول: منطق الجزاء ومنطق الحياد.
أولاً: منطق الجزاء… عندما يعترف التعليل بالمخالفة ثم يعجز عن ترتيب أثرها القانوني
من أخطر ما ورد في التعليل إقراره بأن قانون المسطرة الجنائية لم يرتب أي جزاء على المخالفة المثارة. وهذه العبارة ليست تفصيلاً عابراً، بل هي، من الناحية القانونية، اعتراف ضمني بأن المحكمة وقفت أمام فراغ تشريعي أو على الأقل أمام غياب نص يرتب الأثر الذي كانت ترغب في الوصول إليه.
وفي هذه الحالة كان يفترض أن تتوقف المحكمة عند حدود النص، لأن القضاء لا يملك سلطة استحداث الجزاءات أو استكمال النقص التشريعي بواسطة التأويل الموسع. غير أن التعليل اختار طريقاً آخر، فانتقل من التعليل القانوني إلى التبرير المؤسسي، مستدعياً مبدأ استمرارية المرفق القضائي لتغطية هذا الفراغ.
وهنا تكمن الدلالة السوسيو-سيميائية للقرار؛ إذ يتحول النص القانوني من مرجعية حاكمة إلى مجرد ذريعة لإنتاج نتيجة محددة سلفاً، بينما يصبح مبدأ استمرارية المرفق القضائي هو العلامة المركزية التي تبتلع باقي الحقوق، وعلى رأسها حق الدفاع.
والحال أن المحكمة لم تثبت أنها أجرت اختباراً حقيقياً للتناسب، ولم تفسر لماذا تعذر تأخير القضية أو اتخاذ إجراء أقل مساساً بحقوق المتهمة، خاصة أنها أشارت بنفسها إلى وضعها الصحي دون أن تبين أثر ذلك في اختيارها. كما اعتبرت أن غياب المحامي “لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا بحقها في الدفاع”، وهو استنتاج يصعب التسليم به، لأن العلاقة بين المتهم ومحاميه ليست علاقة شكلية، وإنما تقوم على الثقة الشخصية، وهي من جوهر الحق في الدفاع كما استقر عليه الفقه والقضاء المقارن.
وبذلك يتحول التعليل من منطق حماية الحقوق إلى منطق حماية انتظام المؤسسة، وهو انتقال تتجاوز آثاره القضية المعروضة ليؤسس لتصور جديد يجعل الدفاع تابعاً لاستمرارية المرفق، بدل أن تكون استمرارية المرفق في خدمة العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.
ثانياً: منطق الحياد… عندما يغادر القضاء موقع الحكم إلى موقع التقييم المهني
إذا كان منطق الجزاء يكشف أزمة في البناء القانوني للتعليل، فإن استدعاء المادة 39 من قانون المحاماة يكشف إشكالاً أخطر يتعلق بمبدأ الحياد القضائي.
فالدعوى لم تكن مرفوعة ضد هيئة المحامين، ولم يكن موضوعها تقييم مشروعية قرار التوقف عن العمل أو مساءلة المحامين تأديبياً. ومع ذلك، انخرط التعليل في تقييم موقف هيئة مهنية، واستند إلى نص قانوني مختلف حول دستوريته وتأويله، ليخلص بصورة ضمنية إلى عدم مشروعية ذلك التوقف.
وهنا يطرح سؤال جوهري: هل كانت المحكمة بصدد الفصل في نزاع معروض عليها، أم بصدد إصدار تقييم قضائي لسلوك جماعي لم يكن موضوع الدعوى أصلاً؟
إن هذا التحول يحمل دلالة سيميائية بالغة الأهمية، لأنه ينقل القضاء من موقع “الحكم المحايد” إلى موقع “الفاعل المؤسسي” الذي يصدر أحكاماً قيمية بشأن احتجاجات مهنية لم تعرض عليه مباشرة.
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من التعليل قد يُفهم باعتباره تبنياً ضمنياً للسردية الرسمية التي تعتبر الاحتجاج المهني تهديداً لاستمرارية المؤسسات، في حين أن النزاع الحقيقي كان يدور حول مشروع قانون يمس استقلال مهنة المحاماة، وهي مهنة تشكل، دستورياً ودولياً، إحدى ضمانات المحاكمة العادلة.
ولذلك فإن المحكمة، باستحضارها هذه المادة خارج الحاجة القضائية المباشرة، تكون قد تجاوزت حدود الضرورة التعليلية، ودخلت في مجال تقييم الاختيارات المهنية والسياسات التشريعية، وهو مجال يخرج عن اختصاصها الوظيفي، ويثير تساؤلات مشروعة حول مدى احترامها لمبدأ التجرد والحياد.
من القراءة القانونية إلى القراءة السياسية
إن التحليل السوسيو-سيميائي لا يبحث عن النيات، وإنما يقرأ العلامات التي ينتجها الخطاب. وعندما يصبح مركز الثقل في التعليل هو حماية انتظام المؤسسة أكثر من حماية الحقوق، وعندما يتحول القاضي من الفصل في النزاع إلى تقييم الاحتجاج المهني، فإن الرسالة التي يلتقطها الفاعلون الاجتماعيون ليست رسالة قانونية فقط، بل رسالة سياسية وأمنية أيضاً.
ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: ما هي التداعيات السياسية والأمنية والمهنية لمثل هذا الخطاب القضائي؟
هل يؤدي إلى تعزيز الثقة في استقلال القضاء، أم إلى تكريس الانطباع بأن القضاء يتماهى مع منطق السلطة التنفيذية في تدبير الاحتجاجات المهنية؟
وهل ينسجم ذلك مع مبدأ فصل السلط، أم يفضي عملياً إلى تداخل الوظائف، بحيث يصبح القضاء، من حيث لا يشعر، مشاركاً في تدبير نزاع سياسي وتشريعي لا يملك أدوات حسمه؟
إن أخطر ما في القرار ليس النتيجة التي انتهى إليها، وإنما النموذج التأويلي الذي يؤسس له. فإذا أصبح منطق استمرارية المرفق يتقدم دائماً على الحقوق الأساسية، وإذا تحول القضاء إلى سلطة تقيم مشروعية الاحتجاجات المهنية خارج نطاق اختصاصها، فإننا نكون أمام تحول في وظيفة القضاء ذاتها، من قضاء يحمي الحقوق إلى قضاء يضفي المشروعية على منطق الدولة.
وهنا يكمن جوهر الإشكال: فالخطأ القانوني، متى تكرر في الاتجاه نفسه، قد يتحول إلى علامة سياسية، لا لأن القضاء يريد ممارسة السياسة، وإنما لأن التعليل نفسه ينتج آثاراً سياسية وأمنية تتجاوز حدود النزاع الفردي، وتمس صورة العدالة، واستقلال السلطة القضائية، وثقة المجتمع في مبدأ فصل السلط، وهو ما يفرض نقاشاً علمياً وحقوقياً هادئاً، بعيداً عن التخوين أو التسييس، حفاظاً على هيبة القضاء قبل أي اعتبار آخر.