مجهر الصحراء : كتاب الرأي .
الاختيار الديمقراطي وسؤال التنزيل ؟
توطئة:
ورد في التصدير الدستوري أن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.
كيف نساهم في تنزيل الاختيار الديمقراطي؟
بناء على هذا التصدير، نؤكد على أن الاختيار الديمقراطي التيمة المركزية في حياتنا العامة، لذلك ورد في الفصل الأول من الدستور بأن الأمة تستند في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي. من خلال هذه التوطئة يطرح سؤال جوهري: كيف نقوم بتنزيل الاختيار الديمقراطي في حياتنا الفردية والمجتمعية؟ بل كيف نطبق الاختيار الديمقراطي على مستوى الدولة والمجتمع؟
إن الأحزاب السياسية لها دور فعال في إنجاح تنزيل الاختيار الديمقراطي عن طريق الممارسة السياسية التي تشكل محورا استراتيجيا في أي بناء ديمقراطي. يتجلى هذا في إنتاج الأفكار المحركة للتنزيل الديمقراطي، والتي تشكل نخبا مؤهلة لكل المسؤوليات وعلى رأسها تأطير المواطنين وإعطائهم القدوة للفاعل السياسي العضوي والرسالي الذي عندما يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام يكون مؤهلا لأنه يربط المسؤولية بالمحاسبة، بذلك يتحرى الحكامة الجيدة والإتقان في كل شيء.
تصبح هذه المسؤوليات متضاعفة عندما نستحضر السياق الوطني والإقليمي والدولي المتصف باللايقين واللامعنى. من أجل فهم الإشكالات المطروحة، يجب علينا أن نقوم بتشريح تقارير المؤسسات الدستورية. التي من خلاله تضع الأحزاب السياسية خريطة الطريق المستقبلية إضافة إلى اجتهادات الذات السياسية حسب طبيعتها الفكرية المؤطرة للاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن البناء الديمقراطي يحتاج إلى التشاركية والالتقائية بين الإداري والسياسي والمدني والثقافي كل من زاويته، بل من الواجب توظيف الديمقراطية المواطنة التشاركية لنحدث تناغما بينها وبين الديمقراطية التمثيلة بناء على عنصري التوازن والتعاون. لقد صوتنا جميعا على الدستور الذي يجمعنا وقدوتنا في هذا جلالة الملك حفظه الله الذي نهج منهجا تشاركيا واسعا في صناعة هذا الدستور، أكثر من ذلك بعد التصدير، الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من هذا الدستور، وبعد الباب الأول الذي تناول أحكاما عامة، يتبعه الباب الثاني الذي كرس الحريات والحقوق الأساسية، وخص لها من الفصل 19 إلى الفصل 40، بعدها الباب الثالث الملكية، ولخص نظام الحكم بالمغرب في الفصل1 بأنه نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية.
إذن البناء الديمقراطي مسلسل يحتاج إلى عمل مسؤول، وقد برزت بعض مؤشراته بعد دستور 2011، لكن للأسف نلاحظ اليوم تراجعات سياسية تمس الاختيار الديمقراطي مما يخالف المقتضيات الدستورية.
إن الخطابات البرلمانية كلها تدعو إلى الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة والحكامة الجيدة، بناء على المقتضيات الدستورية. فكيف تتعامل الهيئات السياسية اليوم في تنزيل مقومات الاختيار الديمقراطي؟ كيف هي المؤشرات اليوم؟
إن الفعل السياسي اليوم يجب أن يخرج من مرحلة العبثية إلى مرحلة الدراية، والانتقال إلى مرحلة النضج السياسي. هذا ما نراه ديدنا لأحزاب قلة عكس الأغلبية التي لم تعبر عن تحول نوعي يساهم في البناء الديمقراطي. إن المطلوب اليوم هم الالتزام بالمقتضيات الدستورية، لأنه أسمى تشريع في سلم الهرم التشريعي. ولن يتم هذا إلا بمواجهة الريع والفساد وكل ما يعيق بناء مجتمع العدالة والكرامة.
مخرجات مساعدة في البناء الديمقراطي:
لقد ساهم الجميع في وضع دستور 2011 بتقديم حوالي 179 مذكرة من قبل الهيئات السياسية والنقابية والمدنية. فلماذا لا نقوم بالتدافع الصحي في تنزيل مقتضياته وفاء له ولفصوله؟ اين نحن من خطاب جلالة الملك الذي اعتبر الدستور تحولا تاريخيا في بناء دولة المؤسسات والديمقراطية؟ معتبرا إياه بأنه متميز. فأين المتميزون الذي سيرفعون هذه الوثيقة المتميزة ويضمنون تنزيلها تنزيلا متميزا؟ هل فعلا نعيش تحولا ديمقراطيا؟ هل فعلا تؤخذ اقتراحات المعارضة بعين الاعتبار أثناء صناعة السياسات العمومية وتتبعها وتقويمها؟
إن التحول الديمقراطي سلوك ذاتي قبل أن يكون سلوكا مجتمعيا أو تقليدا سياسيا. لقد أهدرنا مراحل مهمة من زمن الإصلاحات الكبرى التي تؤهلنا إلى تصنيفنا ضمن الدول الصاعدة. لقد بذلنا مجهودات كثيرة في التنظير أكاديميا وسياسيا، ولكن من يدق الجرس من أجل بناء إصلاح سياسي عميق يليق ببلادنا التي خطت خطوات مبشرة حينا من الدهر. هل نعاني مشكلا منهجيا أم أن هناك عوامل ذاتية وأخرى موضوعية لا بد من الكشف عنها حتى نضمن الاستمرارية؟ يبدو لي أننا فرطنا في جدلية الثقافي والسياسي، مما ظلت السياسية في غالبها بدون روح وقيم فاختلط الحابل بالنابل، فأصبح المنكر السياسي معروفا والمعروف السياسي منكرا، مما جعل الحليم حيران. إن القرارات السياسية الناضجة في إطار البناء الديمقراطي هي التي تحدث نقاشا وتجاوبا بين ما هو اقتصادي، واجتماعي، وثقافي، وبيئي.
إننا في حاجة إلى تمثل الاختيار الديمقراطي في سلوكنا الذاتي لكي ينعكس على حضورنا المجتمعي. كل هذا ينعكس على الأجرأة، خاصة أثناء التدافع الانتخابي الإيجابي الذي يجب أن يحكمنا فيه النوع والكيف بدل الكم خاصة الذي يصدر عن طرق غير مشروعة، فيصبح غثاء كغثاء السيل. أنذاك لا يمكن الحديث عن التنمية والنموأو التغيير. لقد فشلنا في تحقيق التنمية الترابية في إطار التكاملية بين الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية، ومازالت مسؤولية مؤجلة إلا بعض الظواهر القليلة.
من خلال ما طرحناه فإننا نؤكد على أن المغرب قادر على تجاوز هذه الإشكالات ومعانقة الحلول الديمقراطية التي لا تحابي أحدا وذلك من خلال: تحرير الذات واعتماد الموضوعية والشفافية داخل كل المؤسسات، والربط بين قيم العدل والتنمية، والتعاون على إنجاح العمليات الانتخابية كآليات محكمة في التحولات الديمقراطية، واعتماد التقييم المرحلي من أجل استنباط العبر والإشادة بالمنجز الإيجابي، وتقويم ما يمكن تقويمه من انحراف اضطراري أو متعمد، وتبني مراجعات فكرية تلائم ما نحن بصدده حتى ننفخ روح القيم في أعمالنا لأن أي عمل خال من الأخلاق مصيره الهلاك، وجعل الانساق السياسية منسجمة مع الجيوسياسي والاستراتيجي الإقليمي والدولي. نتمنى أن تكون الاستحقاقات المقبلة مقلصة من الشبهات والشهوات. نتمنى ذلك.