الحلقة الواحدة والعشرون: المسؤولية مشتركة لا تقبل التجزئة:
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب
يوم الأربعاء 11 فبراير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
إخوتي واخواتي المغاربة، داخل وخارج الوطن،
نصل اليوم إلى الحلقة الواحدة والعشرين من سلسلة “نداء الضمير الوطني”، التي حاولنا من خلالها، بصدق وتجرد، أن نطرح السؤال الجوهري الذي ظل مؤجلًا في الوعي الجماعي:
*من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟*
لقد كانت هذه الحلقات رحلة فكرية ونقدية، سعينا فيها إلى تجاوز الخطاب التبريري أو الاتهامي الأحادي، نحو تشخيص مسؤول وجريء يضع الوطن فوق الأشخاص، ويضع الحقيقة فوق الحسابات الظرفية.
همسنا في آذان إخواننا في الصحراء وفي مخيمات تيندوف، ناقشنا أدوار الدولة والمؤسسات، والمجالس المنتخبة، والنخب، والإعلام، والمجتمع المدني، والقبيلة، والأسرة، والشباب، لأن قضية الصحراء ليست شأنًا دبلوماسيًا فقط، بل هي قضية وعي، وانتماء، وثقة، ومصير مشترك.
واليوم، في هذه الحلقة، نؤكد أن المسؤولية ليست حكرًا على جهة أو فاعل، بل هي مسؤولية جماعية مشتركة لا تقبل التجزئة، وأن تحصين الوحدة الوطنية ليس لحظة تاريخية منتهية، بل مسار دائم يتجدد في العقول والقلوب والمؤسسات والسياسات اليومية.
أيها الإخوة والأخوات،
إن تحصين الوحدة الوطنية وفي مقدمتها مواجهة النزعات الانفصالية ليس مهمة ظرفية، ولا مسؤولية جهة واحدة، بل هو التزام دستوري دائم، وعمل جماعي متواصل، يقتضي من مختلف الفاعلين – السلطات العمومية، المجالس المنتخبة، المجتمع المدني، الإعلام، الأحزاب، النخب الفكرية والثقافية، الشيوخ، والقبائل – أن ينهض كلٌّ بدوره ضمن منظومة متكاملة، تهدف إلى تحويل الانتماء الوطني من مجرد خطاب رسمي إلى تجربة يومية ومعاشة.
فالمواطن الصحراوي، وكل أبناء الأقاليم الجنوبية، يجب أن يشعر بأنه شريك كامل في الوطن، لا مجرد رقم في الإحصاءات أو موضوعًا لإدارة مؤسسية. والوطن القوي لا يُقاس فقط بفرض القانون أو تنفيذ المشاريع، بل *بقدرته على كسب ثقة مواطنيه، وتعزيز شعورهم بالتمثيل والمواطنة الفعلية.* والمجالس المنتخبة، مهما بلغ حجم مشاريعها، لا تُقاس إلا بمدى شعور المواطن أنها تمثله وتدافع عن كرامته ومصالحه، وتستمع لانشغالاته بصدق ومسؤولية.
إن معالجة النزعات الانفصالية وتحويل الانتماء الوطني إلى قناعة راسخة وممارسة حياتية ليست مسؤولية جهاز واحد، ولا فاعلًا منفردًا، بل هي ثمرة منظومة أدوار متكاملة ومتضافرة، تتعاون لتحقيق هدف واحد: *وطن متماسك، ووعي شعبي راسخ، وانتماء حيّ*. وهذه المنظومة تشمل:
• *سلطات عمومية عادلة وقريبة من المواطن*، تضمن العدالة والمواكبة اليومية، والحماية القانونية والاجتماعية، وتكرس صورة الدولة كخادمة للمواطن لا كجسم مستعمر.
• *مجالس منتخبة مسؤولة وشفافة*، تضع خدمة المواطن والإنصاف في صميم عملها، وتفتح المجال للكفاءات الشابة، وتؤكد تمثيل الصحراويين بشكل حقيقي.
• *مجتمع مدني فاعل وذي مصداقية*، قادر على تأطير الشباب، وتعزيز الجسور بين المواطن والدولة، وتفكيك الخطاب الانفصالي بالحجة والمعرفة والتجربة الميدانية.
• *الإعلام المهني والمسؤول*، الذي يقدم محتوى موضوعيًا وتفسيرياً، يكسر الصور الذهنية السلبية، ويقرب المواطن من دور الدولة ومؤسساتها، ويحول الانتماء الوطني إلى تجربة ملموسة.
• *الأحزاب السياسية المؤطرة والمنخرطة باستمرار،* التي تضطلع بتكوين الشباب، وتجديد النخب المحلية، وتقديم خطاب وطني صادق بعيدًا عن استغلال قضية الصحراء لمزايدات حزبية ضيقة.
• *النخب الفكرية والثقافية الحاضرة*، التي تقدّم الرؤى الاستراتيجية، وتفتح النقاشات، وتمنع تفشي الفراغ الفكري الذي يستغله الخطاب المعادي.
• *الشيوخ والقبائل*، الذين يمثلون الركيزة الاجتماعية والتاريخية للهوية الصحراوية، ويعملون على تعزيز القيم الأصيلة للانتماء، ونقل الخبرة والحكمة للأجيال الصاعدة، وتغذية الولاء الوطني بالمعرفة والتجربة المباشرة…
أيها الإخوة والأخوات،
الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية مشتركة، وواجب دائم، وأمانة أمام الله والتاريخ والأجيال القادمة.
الفرصة اليوم أمامنا واضحة:
*إما أن نختار المواجهة الواعية والصريحة مع الفراغات الداخلية والاختلالات، أو نترك المجال لصمت قاتل يتيح للخطاب المعادي أن يزرع الفتنة، ويهدم الثقة، ويغرس التيه الهوياتي في عقول شبابنا.*
*إن كسب المعركة الحقيقية لا يقتصر على الرهانات الدولية، بل يتطلب كسب معركة الوعي والانتماء داخليًا.*
ترك الشباب للتيه الهوياتي أو للفراغ، خيانة صامتة لا تقل خطورة عن أي تهديد خارجي.
وبناء الانتماء الوطني ليس فعلًا أحاديًا: الدولة، الأسرة، القبيلة، الشيوخ، المدرسة، المجتمع المدني، المواطن نفسه، كلهم شركاء، وكلهم مسؤولون عن حماية الأجيال القادمة، وصون الوحدة الوطنية، وتحويل الانتماء الوطني إلى واقع يومي حيّ.
*خاتمة: نداء صادق ومسؤول*:
في الختام، أؤكد مرة أخرى أن هذا النداء ليس صرخة عابرة، ولا موقفًا انفعاليًا، بل شهادة وطنية صادقة أمام الله، والتاريخ، والأجيال القادمة.
إن معركة الصحراء المغربية لم تكن يومًا مجرد قضية حدودية أو اعترافات دولية، بل هي معركة وعي، وانتماء، وعدالة رمزية داخل الوطن نفسه.
فلنستحضر دائمًا أن *الصحراء وسكانها لم يكونوا يومًا في هامش الدولة المغربية عبر التاريخ، بل كانوا دائمًا في مركزها، وجزءًا من عمقها الحضاري والسياسي*.
والدليل على ذلك أن الصحراء كانت دائما قلبًا نابضًا للدولة المغربية، ومنطلقًا لحضارات وإمبراطوريات، وكانت مسرحًا لتطورات الحكم المغربي عبر العصور، وعلى رأسها الدولة المرابطية التي انطلقت من عمق الصحراء، لتشكل جزءًا من الهوية الوطنية المشتركة في وجدان المغاربة، وأن مغرب اليوم مدين في وحدته وقوته لتلك الجذور العميقة التي تمتد في الرمال والذاكرة الصحراوية معًا.
كما أؤكد مرة أخرى أن *النجاح في المحافل الدولية، مهما بلغ، يظل ناقصًا إذا لم يُدعّم بجبهة داخلية صلبة، واعية، ومحصّنة*.
وترك الشباب للفراغ، أو للسرديات الانفصالية، أو للتيه الهوياتي، هو خيانة صامتة للأمانة الوطنية لا تقل خطورة عن أي عداء خارجي.
فلنرفع جميعًا شعارنا الوطني:
• الانتماء الوطني مسؤولية كل فرد ومؤسسة،
• الوطن يُبنى بالوعي، والكرامة، والمشاركة الحية،
• الأجيال القادمة لن تُحمَّى إلا بما نزرعه اليوم من تأطير، وثقة، وانتماء حيّ.
لنجعل من الانتماء الوطني ممارسة يومية، ومن العدالة الاجتماعية ركيزة للوحدة، ومن الوعي حصنًا ضد كل دعايات التفتيت.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخوكم: المهندس عبد الله أيت شعيب.
ملحوظة: في ختام الحلقة 20 وعدنا بالتطرق ل *تنبيهات لابد منها* في هذه الحلقة. عكس ذلك، فقد اجلناها للحلقتين المواليتين ان شاء الله تعالى. فمعذرة.