*المحور الثالث: توصيات ومقترحات:
🇲🇦 *الحلقة الخامسة عشرة : توصيات ومقترحات موجّهة للمجالس المنتخبة :
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب
يوم الأحد 01 فبراير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
بعد أن خُصِّصت الحلقة الرابعة عشرة للتوصيات والمقترحات الموجَّهة إلى السلطات العمومية، باعتبارها الفاعل المؤسسي الأول في تجسيد الدولة وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات، ننتقل في هذه الحلقة الخامسة عشرة إلى فاعل لا يقل أهمية وتأثيرًا، بل يُعدّ الحلقة الأقرب إلى نبض الساكنة وهمومها اليومية، والأقرب إلى المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، وهو المجالس المنتخبة.
فإذا كانت السلطات العمومية تمثل وجه الدولة القانوني والإداري، فإن المجالس المنتخبة تمثل وجه الديمقراطية والتمثيلية المحلية، وتجسّد الإرادة الشعبية، وتشكل الفضاء الطبيعي لممارسة المواطنة التشاركية، وترجمة السياسات العمومية إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وقد بيّنت الحلقة السابقة أن تحصين الوحدة الترابية لا يتحقق فقط بالقوة القانونية أو الأمنية أو الدبلوماسية، بل أساسًا ببناء الثقة، وترسيخ العدالة، وتجسيد القرب المؤسساتي.
غير أن هذه الثقة لا تكتمل دون أداء سياسي محلي مسؤول، يُشعر المواطن بأن صوته الانتخابي له معنى، وأن ممثليه يدافعون عن مصالحه، ويحملون همومه، ويجسّدون انتماءه الوطني في برامج ومشاريع وسياسات محلية عادلة وشفافة.
ومن هذا المنطلق، تُخصَّص هذه الحلقة الخامسة عشرة لجملة من التوصيات والمقترحات الموجَّهة إلى المجالس المنتخبة، باعتبارها شريكًا أساسيًا للدولة في تحصين الوعي الوطني، وبناء المواطنة المجالية، وتحويل التنمية إلى رافعة لترسيخ الانتماء الوطني الواعي.
تُعدّ المجالس المنتخبة، بمقتضى الدستور والقوانين التنظيمية، الفاعل الأقرب إلى المواطن، والحلقة الأساسية في تجسيد الديمقراطية التشاركية والتنمية المجالية. ومن ثمّ، فإن مسؤوليتها في هذا الملف مسؤولية مباشرة ومضاعفة، لأنها ليست فقط أجهزة تدبير محلي، بل هي أيضًا مؤسسات لبناء الثقة وترسيخ الانتماء وتجسيد السيادة الشعبية على المستوى المحلي.
ومن هذا المنطلق، *نهيب بالمجالس المنتخبة أن تجعل الاستثمار في الإنسان وتحقيق العدالة المجالية وتحسين جودة الحكامة المحلية في صلب أولوياتها، وأن تعتبر تحصين الوعي الوطني ومحاصرة النزعات الانفصالية جزءًا من مهامها التنموية والسياسية، لا موضوعًا هامشيًا أو ثانويًا.*
وفي هذا السياق، يُنتظر من المجالس المنتخبة ما يلي:
1. الانتقال من منطق التدبير الإداري إلى منطق التمثيل الحقيقي للساكنة، وجعل هموم الشباب وقضايا الهوية والانتماء والمواطنة ضمن أولويات البرامج التنموية، وعدم اختزال العمل الانتخابي في إنجاز المشاريع التقنية فقط.
2. إدماج البعد الثقافي والهوياتي في السياسات المحلية، عبر دعم الثقافة الصحراوية المغربية، وتشجيع المبادرات الفنية والتربوية التي تعزّز الانتماء الوطني، لأن الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها، والتنمية بدون هوية تُنتج مواطنًا مادّيًا ضعيف الانتماء.
3. فتح قنوات تشاركية حقيقية مع الشباب والمجتمع المدني، عبر تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها قانونًا، مثل هيئات التشاور والعرائض والمقترحات المواطنة، وعدم تحويلها إلى مجرد واجهات شكلية أو ديكور مؤسساتي.
4. ضمان الشفافية في تدبير الموارد المحلية، وربط الاستفادة من المشاريع والبرامج الاجتماعية والتنموية بمعايير واضحة وعادلة، لتفادي أي إحساس بالحيف أو الإقصاء، لأن الشعور بالظلم الاجتماعي هو أحد أخطر مداخل الاختراق الفكري والنفسي للشباب.
5. تحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية في حالات الفشل أو التعثر، وعدم الاحتماء بالدولة أو بالسلطات العمومية للتنصل من المسؤولية الانتخابية، لأن الديمقراطية المحلية تقوم على المحاسبة والثقة المتبادلة بين المنتخب والمواطن.
6. جعل التربية على المواطنة والانتماء الوطني محورًا في البرامج المحلية، عبر دعم المدارس، والمراكز الثقافية، والأنشطة الشبابية، والمسابقات الفكرية، والمخيمات التربوية التي تعزّز الوعي الوطني.
7. إحداث مجالس شبابية استشارية محلية، تُشرك الشباب في بلورة السياسات المحلية، وتمنحهم فضاءً للتعبير والمشاركة، بما يُحوّلهم من موضوع للتنمية إلى شركاء في صنع القرار.
8. دعم الإعلام المحلي والمنصات الرقمية المجالية، لتكون فضاءً لنشر الخطاب الوطني المعتدل، ومواجهة الأخبار الزائفة والدعاية الانفصالية، وترسيخ سردية وطنية إيجابية قائمة على الحقائق والتنمية.
9. ربط التنمية الاقتصادية بترسيخ الانتماء، عبر برامج لدعم المقاولات المحلية، وتشغيل الشباب، وإشراكهم في مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لأن المواطن الذي يشعر بأنه مستفيد من وطنه يصبح تلقائيًا مدافعًا عنه.
10. إرساء حكامة محلية قائمة على النزاهة والكفاءة، وتقديم نموذج أخلاقي في التدبير، لأن الفساد المحلي يُقوّض الثقة في الدولة ويُغذّي الخطاب الانفصالي الذي يتغذّى على الإحباط الاجتماعي.
11. تعزيز التعاون بين المجالس المنتخبة والمؤسسات التربوية والدينية والثقافية، لبناء خطاب موحّد حول الهوية الوطنية والوحدة الترابية، بدل ترك هذا المجال للصدفة أو المبادرات الفردية.
12. الانفتاح على أبناء الأقاليم الجنوبية في الخارج ومخيمات تندوف، عبر برامج تواصل ثقافي وإنساني، ومبادرات للزيارات والتبادل، لتقوية الروابط الوجدانية والوطنية، وتجفيف منابع القطيعة النفسية.
13. عقد شراكات وتوأمات بين المجالس المنتخبة بالأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، في إطار دبلوماسية ترابية داخلية تُجسّد وحدة التراب الوطني عمليًا، وتُعزّز التبادل الثقافي والتنموي، وتُرسّخ شعور الانتماء المشترك بين مختلف مكونات الوطن. فالتوأمة بين الجماعات والجهات ليست فقط آلية تنموية، بل هي أيضًا أداة رمزية قوية لبناء الوعي الوطني وتعزيز اللحمة الترابية.
14. دعم برامج التعاون بين المؤسسات التعليمية بالأقاليم الجنوبية ونظيراتها في باقي جهات المملكة، عبر تبادل الزيارات، والمخيمات المدرسية المشتركة، والمشاريع التربوية المشتركة، بما يسمح للتلاميذ والطلبة ببناء روابط إنسانية ووطنية عميقة تتجاوز الجغرافيا، وتُرسّخ فكرة الوطن المشترك في الوجدان منذ سن مبكرة.
15. تشجيع التوأمة والتبادل بين الأندية الرياضية والجمعيات الشبابية، لأن الرياضة تُعدّ من أقوى أدوات بناء الهوية المشتركة، وتكريس روح الفريق والانتماء الجماعي. فمباراة رياضية أو دوري شبابي وطني مشترك قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا في ترسيخ الانتماء من مئات الخطب والشعارات.
16. دعم برامج التبادل الثقافي والفني بين الجهات، من خلال مهرجانات مشتركة، وملتقيات ثقافية وفنية متنقلة، تُبرز الغنى الثقافي الصحراوي كجزء لا يتجزأ من الهوية المغربية الجامعة، وتُسهم في تفكيك الصور النمطية وبناء سردية وطنية جامعة.
17. إحداث صناديق دعم مشتركة بين الجهات لتمويل مشاريع شبابية مشتركة، بما يُعزّز الشعور بالتكامل والتضامن الوطني، ويحوّل الجهوية المتقدمة من مجرد تقسيم إداري إلى مشروع وطني للتكامل والتلاحم.
*خلاصة:*
إن المجالس المنتخبة ليست مجرد أجهزة لتدبير الشأن المحلي، بل هي مختبر يومي لبناء الثقة الوطنية، وفضاء حاسم لترسيخ المواطنة والانتماء، وجبهة أساسية في معركة تحصين الوحدة الترابية من الداخل.
فالوحدة الوطنية لا تُحمى فقط بالحدود والسلاح والخطاب الدبلوماسي، بل تُحمى يوميًا في قرارات المجالس المحلية، وفي عدالة توزيع المشاريع، وفي شفافية التدبير، وفي قرب المنتخب من المواطن، وفي شعور المواطن بأن صوته الانتخابي له قيمة ومعنى.
ومن هنا، فإن نجاح أي استراتيجية وطنية لتحصين الوحدة الترابية يظل رهينًا بقدرة المجالس المنتخبة على التحوّل من مجرد هيئات تدبير محلي إلى مؤسسات سياسية وتنموية لبناء الثقة وترسيخ الانتماء الوطني الواعي.
*خاتمة الحلقة الخامسة عشرة :
إخوتي وأخواتي الأفاضل،
لقد بيّنت هذه الحلقة أن المجالس المنتخبة ليست مجرد هياكل إدارية لتدبير الشأن المحلي، ولا مجرد واجهات انتخابية موسمية، بل هي فضاء سياسي وتنموي وثقافي حاسم في بناء الثقة الوطنية، وترسيخ المواطنة المجالية، وتجسيد السيادة الشعبية في الحياة اليومية للمواطن.
فالوحدة الوطنية لا تُصان فقط بالحدود والقوانين والاعترافات الدولية، بل تُصان كذلك – وربما أساسًا – في قرارات المجالس المحلية، وفي عدالة توزيع المشاريع، وفي شفافية التدبير، وفي قدرة المنتخب على الإنصات لمواطنيه، وتحويل أصواتهم الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة.
إن المواطن الذي يرى أثر صوته في التنمية والعدالة والقرب، يتحول تلقائيًا إلى حارس للوحدة الوطنية ومدافع عنها، لا بحكم الخطاب، بل بحكم القناعة والتجربة المعيشة.
غير أن الدولة والمجالس المنتخبة، مهما بلغت قوتها المؤسسية، لا تشتغل في فراغ اجتماعي. فإلى جانب الشرعية القانونية والمؤسساتية، تظل الشرعية الاجتماعية والتاريخية والرمزية عنصرًا حاسمًا في تشكيل الوعي والانتماء، خاصة في المجتمع الصحراوي حيث تلعب القبيلة والمرجعيات التقليدية دورًا مركزيًا في بناء القيم وتوجيه السلوك الجماعي.
ومن هنا، ننتقل في الحلقة السادسة عشرة إلى فاعل آخر لا يقل أهمية، وهو شيوخ القبائل والأعيان والمرجعيات الاجتماعية، باعتبارهم جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الدولة والمجتمع، وبين القانون والوجدان. سنناقش مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية في تحصين الجبهة الداخلية، وتأطير الشباب، ولمّ الشمل الاجتماعي، وتجفيف منابع الخطاب الانفصالي من داخل البنية الاجتماعية نفسها.
إلى الحلقة السادسة عشرة، حيث نُسلّط الضوء على دور الشرعية الاجتماعية في معركة الوعي والانتماء، وفاءً للوطن، وأداءً للأمانة التاريخية، واستشرافًا لمستقبل مغربي أكثر تماسكًا ووحدة وثقة.
والله وليّ التوفيق والسداد .