الرزق الذي نراه… والتوفيق الذي لا نراه..للدكتور عبدالكريم بكار .

نحن في حياتنا لا نتعامل مع نوع واحد من العطاء، بل نعيش بين عطائين متداخلين؛ عطاء نراه بأعيننا فنسمّيه رزقًا، وعطاء لا يظهر مباشرة ولكننا نلمس آثاره في قراراتنا، وفي مساراتنا، وفي مقدار السكينة التي ترافقنا ونحن نمضي، فنسمّيه توفيقًا.
نحن نسعى، ونجتهد، ونخطط، ونأخذ بالأسباب كما ينبغي، وهذا كله جزء من مسؤوليتنا، لكننا نمرّ أحيانًا بلحظات نشعر فيها أن الأمور استقامت على نحو أفضل مما توقّعنا، وأن النتائج جاءت أقل كلفة وأكثر رحمة، وأن الطريق انفتح دون صدامات كثيرة، وهنا يبدأ الإنسان في إدراك أن الجهد وحده لا يفسّر كل ما يجري في حياته.
هذا الإحساس ليس وهمًا، ولا قراءة عاطفية للأحداث، بل هو وعي يتشكّل مع التجربة، بأن في الحياة عناية إلهية تعمل بصمت، وترافق الإنسان حين يسير في الاتجاه الصحيح، حتى مع وجود النقص والتقصير، ذلك هو توفيق الله.
وتوفيق الله لا يقتصر على لحظة واحدة، ولا يرتبط بمجال دون آخر، بل يمتد في العمل، والزواج، والشراكات، والسكن، والصحة، والعلاقات الإنسانية، والرزق، ومحبة الناس، وراحة القلب، واستقرار النفس، وهو يظهر أحيانًا فيما نحصل عليه، وأحيانًا فيما يُصرف عنا دون أن ندرك حينها حجم النجاة.
فالعمل الجيد رزق بلا شك:
لأنه مصدر استقرار وفرصة ونمو، لكن القدرة على الاستمرار فيه براحة نفسية، واتخاذ قرارات متزنة داخله، والنجاة من استنزافه الأخلاقي والنفسي، كل ذلك من التوفيق الذي لا يتحقق بالكفاءة وحدها.
والمرأة الطيبة رزق:
لأن الله يهب بها السكن والمودة، لكن دوام الألفة، وحضور السكينة، والقدرة على تجاوز الخلاف دون أن يتحول البيت إلى ساحة صراع، هو توفيق يحفظ العلاقة من الداخل.
والمشروع الجيد رزق:
لأنه باب من أبواب السعة، لكن أن يُبارك فيه، وأن ينمو دون أن يفسد القيم، وأن لا يتحول إلى عبء يسرق الطمأنينة ويبدد المعنى، فهذا توفيق لا يُدركه إلا من فقده.
والصديق الصدوق رزق:
لأن الإنسان لا يستغني عن الصحبة، لكن بقاء الصدق، وحضور النصيحة، والثبات في أوقات الشدة لا في أوقات الظهور فقط، هو توفيق يحمي الإنسان من عزلة داخلية أشد قسوة من الوحدة.
والبيت الجيد رزق:
لأنه مأوى، لكن أن يكون موضع سكينة لا توتر، وراحة لا ضغط، واستقرار لا نزاع دائم، فهذا توفيق يجعل المكان وطنًا لا مجرد جدران.
والولد الصالح رزق:
لأن الذرية امتداد، لكن أن يُلهمك الله حسن تربيته، وأن ترى أثر ذلك في سلوكه وقيمه، وأن يكون سبب طمأنينة لا قلق دائم، فهذا توفيق يتجاوز حدود الجهد البشري.
والقبول عند الناس رزق:
لأن الإنسان بطبعه اجتماعي، لكن أن يُمنح هذا القبول بلا تصنّع ولا تكلّف، وأن يُحفظ في الغياب كما في الحضور، فهذا توفيق لا يُشترى.
وأن تكون في خدمة الناس رزق:
لأن الله إذا استخدمك في الخير فقد منحك موقعًا كريمًا، لكن أن يبقى قلبك سليمًا من العجب، ونفسك بعيدة عن المنّ، فذلك توفيق يحفظ العمل من الفساد.
وبرّ الوالدين رزق عظيم:
لكن ما يترتب عليه من نور في القلب، وتسديد في القرار، وتيسير في الطريق، هو من أوضح صور التوفيق التي لا تُقاس مباشرة، لكنها تُلمس بوضوح في مسار الحياة.
والعبادة والطاعة رزق:
لأن الله إذا فتح لك باب القرب فقد أعطاك كثيرًا، لكن أن تتحول العبادة إلى حياة، وأن تنعكس في السلوك والاختيار والضمير، فهذا توفيق لا يُعطى لكل أحد.
والصحة والعافية توفيق:
لأن كثيرين يملكون المال ولا يملكون القدرة على الانتفاع به أو الاستمتاع به.
والطمأنينة والسكينة توفيق:
لأنها نعمة لا ترتبط بما تملك، بل بما تحمله في قلبك من رضا واتزان وثقة بالله.
وحين ننظر إلى هذه المعاني مجتمعة، ندرك أن الرزق قد يتوزع بين الناس بطرق مختلفة، أما التوفيق فله منطق آخر ومسار آخر، وله أسباب واضحة لا تتخلف.
فتوفيق الله يُبنى ويتشكل مع الوقت، ويأتي من الالتزام الصادق، ومن طاعة الله في السر قبل العلن، ومن صدق التوجّه حين لا يتناقض القصد مع الفعل، ومن رضى الوالدين الذي يفتح من التيسير ما لا تفتحه الخطط وحدها، ومن الاستغفار الذي يزيل العوائق قبل أن يجلب العطايا، ومن الدعاء الذي يربط القلب بالله في كل حال، ومن النوافل التي تُكمّل الفرائض وتزيد القرب، ومن ذكر الله الذي يثبت النفس وسط الضجيج، ومن صلة الأرحام التي توسّع الصدر قبل الرزق، ومن إغاثة الملهوف لأن الرحمة من أعظم أسباب الرحمة.
وقد تأتيك بعض الأمور في صورة صدفة عابرة، لكنها في حقيقتها توفيق سبقته نية، وعمل، ومسار لم يكن مهملًا كما ظننت.
وتوفيق الله لا يعني حياة بلا تعب، لكنه يعني أن التعب لا يضيع، ولا يعني طريقًا بلا ابتلاء، لكنه يعني أن الابتلاء لا يكسر صاحبه ولا يتركه بلا معنى.
ذلك هو توفيق الله…
أن تمضي في حياتك وأنت تشعر أن يدًا رحيمة تسندك، وتسدّدك، وتمنحك من الخير ما لا تمنحه قوتك وحدها.